قبل أن يصدر فتواه بجواز محاربة القوات البريطانية المحتلة للعراق عام 1920، كان البريطانيون قد أوغلوا في إفساد وإذلال العراقيين رغم ادعاءاتهم بأنهم "جاؤوا محررين من اضطهد العثمانيين لا فاتحين"، فقد كرّس الانجليز ثقافة الاقطاع والطبقية بشكل بشع في المجتمع الذي كان معظمه متشكل من الريف والبدو، وكان السلاح القوة الوحيدة لهم لدفع المخاطر الداخلية والخارجية.

وعندما جاء وفد من عشائر الفرات الاوسط والجنوب الى كربلاء المقدسة لزيارة المرجع الديني الأعلى الشيخ ميرزا محمد تقي الشيرازي والتشاور معه حول مواجهة الانجليز بثورة مسلحة، سألهم عن قدراتهم لتحقيق الانتصار، وما اذا كانوا مستعدين لها مادياً ومعنوياً، فأجابوه بالايجاب، وقد كرر عليهم السؤال لمزيد من التحقق، ولم يحصلوا على الفتوى إلا بعد مرور فترة من الزمن للتأكد من أن إعطاء الشرعية لعسكرة المجتمع ليس إلا بهدف الدفاع عن النفس والحرمات.

وحسب المصادر التاريخية فان المشهد تكرر في ستينات القرن الماضي أي بعد حوالي اربعين سنة من ثورة العشرين، فقد جاءت العشائر هذه المرة الى النجف الأشرف للتشاور مع المرجع الديني الأعلى في زمانه السيد محسن الحكيم لخوض مواجهة مسلحة مع السلطات الحاكمة آنذاك –نظام حكم عبد السلام عارف- على خلفية مضايقات واستفزازات للعشائر، فجاء الرد بالرفض لعدم توفر شروط النجاح والانتصار في حراك عسكري من هذا النوع وفي تلك الظروف.

بالرغم من مبررات حمل السلاح في صفوف العشائر منذ عقود طويلة، ومن ثم انتقال السلاح الى المدينة بسبب غياب دور الدولة والمؤسسات الحكومية في توفير الأمن للمواطن، فان رجل الدين، والمؤسسة الدينية بشكل عام لا تنظر الى السلاح، بقدر ما تنظر الى حالة العسكرة وتحولها الى سلاح فتاك يمكن استخدامه في موارد من شأنها إراقة الدماء وخلق نزاعات تمزق النسيج الاجتماعي، لذا فانها لا تتبنى مطلقاً هذا الخيار وتقف منه بالرفض الشديد، إلا اذا حصل الاطمئنان الى الضرورة القصوى كما حصل في الاجتياح التكفيري عام 2014 حيث بات العراق برمته مهدداً من قبل عناصر تنظيم داعش التكفيري، فصدرت فتوى الجهاد الكفائي من المرجع الاعلى السيد علي السيستاني.

العسكرة نتاج الديكتاتورية

عسكرة المجتمع من أبشع ما تفرزه الانظمة الديكتاتورية القائمة على حكم الجنرال، فالعدوى تنتقل من الثكنات العسكرية الى مختلف مرافق الدولة، وشرائح المجتمع فتتولد لدى الجميع نزعة حمل السلاح، ولو قطعة واحدة في البيت لسبب بسيط واحد، أن المواطن العادي الذي يشعر بالأمان لوجود قطعة مسدس –مثلاً- في بيته، لا يجد وسائل ردع مدنية تحميه من المخاطر، مثل؛ القانون، والدين، لاسيما في ظروف عصيبة كالتي عاشها العراق بعد أيام من الاجتياح الاميركي للعراق، فقد مارس نفس دور النظام الصدامي تماماً في تكريس هذه الثقافة عندما سمحت القوات الاميركية للناس السطو على مخازن العتاد والسلاح في مناطق عدّة بالعراق وعلى مرأى من الجنود الاميركان خلال عملية الاجتياح وانهيار المؤسسة العسكرية والامنية بالكامل.

إن وجود "ديمقراطية"، او "مدنية" في بلد ما لن يتجاوز الشعار والكلام الفارغ إلا اذا وجد مصاديق عملية على الارض من خلالها يحقق حالة السلم والأمن دون الحاجة الى عسكرة المجتمع والحاجة الى حمل السلاح مهما كان صغيراً، ولنا خير تجربة في الاحزاب السياسية في العهد الملكي بالعراق الموسوم آنذاك بالنظام البرلماني، بيد أن هذه "الاحزاب الوطنية والتقدمية وما يسمى بالاسلامية كلها سقطت، انها من أول أمرها كانت تتسلط عليها فئة استعمارية او مستبدة تأخذ زمام الحركة، فلا انتخابات حرة ولا كفاءات ولا توزيع قدرة". (السبيل الى إنهاض المسلمين- الامام الراحل السيد محمد الشيرازي)

وهكذا يعالج الامام الشيرازي الراحل عسكرة المجتمع بالديمقراطية الحقيقية ذات المصاديق على ارض الواقع من خلال دعامتين: الانتخابات الحرة والنزيهة، وجود "الاجنحة الحرة والقوى المتكافئة، والجماعات المختلفة ذات الاتجاهات المتعددة ضمن الإطار الواحد، وهو الحركة الجماهيرية الاسلامية"، وبذلك تحقق الحركة والتنظيم السلام والاستقرار والأمن انطلاقاً من هكيليته القيادية، ومن ثم الى عموم ابناء المجتمع، وفي هذا الكتاب يدعونا سماحته –رضوان الله عليه- لأن "نستفيد من العبر، فالحركة الاسلامية يجب أن تكون فيها قدرات وقوى متكافئة ومتقابلة ومتنافسة، لكن على الخير لا على الشر، على الهمّة في العمل، وعلى استقطاب الجماهير، وعلى الارتقاء بالمستويات".

تجربة عملية لمكافحة العسكرة

قبل ان نتعرف على آلية علماء الدين في مكافحة ظاهرة العسكرة، لابد من التوقف قليلاً عند دوافع وجود هذه الظاهرة بالاساس في نفوس افراد المجتمع، وقد أشرنا سلفاً الى فقدان الأمان، ثم عوامل الردع المفترض توفرها في مؤسسات الدولة، عاملان معاً، او ربما أحدهما تتم إثارته بشكل مستقل كما تفعل بعض الانظمة المستبدة والديكتاتورية بإثارة مخاوف الناس بالمخاطر الخارجية، وهنا يأتي دور عالم الدين والمؤسسة الدينية بالوقوف حاجزاً "بين مثيري الحرب وبين مآربهم، وذلك بإشاعة الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فالوعي يوجب عدم استسلام الشعب للديكتاتوريين"، (عالم الغد، الامام الشيرازي الراحل).

وهذا ما فعله بنجاح باهر رسول الله، صلى الله عليه وآله، قبل فتح مكة، فقد كانت هذه المدينة مدججة بالسلاح، ومتأهبة لمواجهة النبي وجيوشه، وهي تضم زعماء الشرك والكفر ممن أوغلوا في المسلمين قتلاً وتنكيلا طيلة سنوات قبل وبعد الهجرة، بيد أن النبي دخل هذه المدينة المتوترة والمضطربة وهي آمنة مستقرة بأهلها ليس فقط بعدم التهديد بالحرب والانتقام وحسب، وإنما بخطوة ذكية من جملة خطوات ريادية وحضارية لا تأت إلا من خاتم الانبياء، ومؤسس الدولة والحضارة التي أبهرت العقول حتى اليوم، وهي؛ عندما "استولى النبي على قلاع خيبر وغنم مقادير كبيرة من الأواني الذهبية، قدرت بعشرين ألف آنية ذهبية من مختلف الاحجام، فبعث الرسول جملة من هذه الاواني لتُقسم على فقراء مكة ورجالاتها وهم كفار ومشركون ومحاربون لرسول الله، ولما جيء بتلك الأواني الذهبية الى أهل مكة تحيروا وتعجبوا وأسقط في أيديهم عجباً"، ولذا عندما غادر النبي مكة بعد تحطيم الاصنام وتسوية الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية فيها، وعاد الى المدينة، عين شاباً صغيراً لا يتجاوز عمره العشرين سنة، يدعى "عتاب" ليكون والياً على مكة، "وقد ذكر المؤرخون أن مكة لم تحارب بعد ذلك، وإنما رضخت لحكم عتاب بدون جيش ولا شرطة، وبدون سلاح، وبدو قوة، لأن رسول الله أخذ ألبابهم واستولى على قلوبهم".

إن إشاعة ثقافة السلام والأمن بين ابناء المجتمع يقطع الطريق على أي محاولة لعسكرة هذا المجتمع، بل جعله مستغنياً عن أي نوع من العسكرة والاستقواء وصناعة المنعة المزيفة في مواجهة أعداء وهميين يصنعهم أصحاب المصالح الخاصة والاجندات الخارجية، وهذه من أولى مهام المؤسسة الدينية بما تضم من هيئات ومراكز و رموز بأن تحكم القيم الاخلاقية والانسانية في التعامل بين افراد المجتمع وجعلها الطريق الوحيد نحو تحقيق الاهداف المنشودة التي تبحث عنها الجماهير، لاسيما في العراق، وهي تحكيم قيم الحق والفضيلة، واستعادة الحقوق المشروعة والعيش الكريم.

اضف تعليق