تشهد الساحة الإقليمية والدولية تطورات وتفاعلات سياسية جديدة بشكل متزامن، ولعل أهمها على المستوى الإقليمي، يتمثل في العراق بوساطته بين الجمهورية الإسلامية في إيران والمملكة العربية السعودية لإحلال التقارب والتفاهم بين الطرفين، إذ عقد لقاء أولي بينهما في بغداد تزامنا مع مفاوضات مباشرة بين إيران ودول مجلس الأمن الدائميين إضافة إلى المانيا 5+1، فضلا عن ذلك يحصل الآن تقارب تركي مصري سعودي إماراتي، بعد أن تشكلت حكومة جديدة في ليبيا ووجود قنوات اتصال وتفاهم بعد أن تم حل الأزمة الخليجية بين دول المجلس وقطر، هذه المتغيرات والمعطيات لها دلالات ومؤشرات جيوسياسية على العراق في حال استمرار الأجواء الإيجابية، مما يؤثر إيجابيا على استقرار العراق وأمنه المحلي واستعادة مكانته الدولية والإقليمية ومستقبل مساراته الجيوسياسية.

أهمية هذه التطورات وإمكانية أن يكون لها دور إيجابي ينطلق من أهمية العراق باعتباره بلد مهم ومحوري في الشرق الأوسط وفي العالم، إذ يمتلك العراق مكانة مركزية في المنطقة، كونه يضم عددا من الطوائف والقوميات، كما يحتفظ العراق بموقع استراتيجي يربط آسيا بأوروبا، ويربط تركيا مع شبه الجزيرة العربية ودول الخليج ويربط إيران بدول الخليج، وإيران مع بلاد الشام اقتصاديا، كما أن العراق واحد من أغنى الدول بموارده الطبيعية والبشرية، إذ جعلت من مزاياه الجغرافية وموقعه الاستراتيجي عقدة نقل عالمية، ويقدر العديد من المنظرين الاقتصاديين أنه إذا أصبح العراق مستقرًا، فسيكون الجنة التالية للاستثمارات الاقتصادية العالمية.

أما من الناحية السياسية، أثبت التاريخ المعاصر أن لطبيعة الوضع السياسي والأمني في العراق عواقب على جميع جيرانه وعلى المنطقة والعالم، إذ أن أمن العراق واستقراره يؤثران ويتأثران بأمن واستقرار جميع دول المنطقة، لكن العراق تقاذفته عقبات وتحديات بسبب المعالجات الخاطئة للقوى الخارجية والداخلية للازمات والمواقف من الوضع السياسي بعد عام ٢٠٠٣.

إذ تأثر ويتأثر العراق كثيرا بالإطار الإقليمي بشكل غير مسبوق بعد أن اهتز العالم العربي بما يسمى بالربيع العربي أو الثورات العربية في بداية عام ٢٠١١، وبعد أن وصلت موجة الاحتجاجات إلى الأجزاء الغربية والأجزاء الأخرى في العراق حاليا في الوسط والجنوب، مما تسبب في مزيد من التعقيدات في الداخل. كما أثر عدم الاستقرار الإقليمي الناجم عن الربيع العربي والتدخلات الخارجية الإقليمية من الأطراف المجاورة على الميول السياسية والاجتماعية في العراق التي كانت تعاني من مشاكل وعدم استقرار لفترة طويلة من الوقت.

التطورات الجيوستراتيجية المعاصرة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط من تفاهمات ومفاوضات وبروز دور عراقي فيها، من الممكن أن تعمل على حلحلة العقد الماثلة أمام استقراره وإعادة بناءه واستنهاض دوره ومكانته من جديد.

وأبرز ما يمكن العمل عليه والاستفادة من هذه التطورات هو وضع نهاية للصراع الإيراني الأمريكي وارتباطاته العربية والإقليمية في العراق، وهذا يكون عبر معالجة موضوعة التواجد العسكري الأمريكي داخل العراق، فبالعودة إلى أواخر عام ٢٠١١، والتي شهد العراق فيها حدثا تاريخيا مهما، وهو الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق، مما أنهى الاحتلال الأمريكي المباشر للبلاد، لكنها احتفظت بعدد محدود من الجنود الأمريكيين في بعض القواعد العسكرية في العراق، في إطار اتفاق للتعاون الأمني الاستراتيجي الموقع بين البلدين في أواخر عام ٢٠٠٨.

وتزامن الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق مع التحديات الخطيرة التي تواجه المنطقة بشكل عام والعراق بشكل خاص، جاء الانسحاب العسكري الأمريكي في وقت لم يكمل فيه العراق بعد إعادة بناء هيكله السياسي والأمني والاقتصادي الذي تضرر وتأخر بسبب أخطاء السياسات الأمريكية خلال سنوات الاحتلال، وفي الوقت ذاته أعادت واشنطن عديد من قواتها إلى العراق بعد دخول تنظيم داعش إليه تحت غطاء ومظلة التحالف الدولي، وبعد التحرير أبقت الولايات المتحدة أيضا على جزء من هذه القوات القتالية والاستشارية، مما آثار حفيظة إيران ومحور المقاومة الذي له امتدادات نافذة داخل العراق ولبنان وسوريا واليمن وبقاع أخرى..، ليكون هذا التواجد مدعاة لاستدامة هذه الامتدادات، في مقابل ذلك تصر واشنطن على أن النفوذ الإيراني لا يمكن أن يواجه بالانسحاب من العراق وهذا آخر موقف تبنته إدارة الرئيس بايدن، ولهذا يعول العراق أن يكون وسيطاً لتقارب إيراني سعودي تكون له مفاتيح وتفاعلات إيجابية ليس داخل العراق فيما يتعلق باستقراره فحسب، بل ينسحب على الملفات الأخرى وأهمها حرب اليمن، وسير محادثات ومفاوضات ڤيينا، بما يعزز إمكانية الوصول إلى اتفاق نووي جديد وشامل.

من المؤكد تضمن محادثات ڤيينا الملفات الإقليمية ذات العلاقة ومنها ملف العراق والطلب المزدوج للكف عن استخدامه كورقة مواجهة وتوازن للنفوذين الإيراني والأمريكي، وقد يعزز مسارات الاستقرار وتمكين العراق أن يستعيد فاعليته ودوره عبر إعادة ضبط العلاقات والمصالح مع كل الأطراف وفق مقاربات التعاون والتكامل بدلا عن مقاربات التنافس والصراع.

العراق بحاجة ماسة إلى إنهاء هذا التصارع وهذه التدخلات بطريقة المساعي الحميدة أو الوساطة، كما أن أي تقارب بين أطراف الصراع يعيد في الوقت نفسه إعادة ترتيب طبيعة العلاقات الإقليمية والدولية مع العراق بشكل محدد وواضح، ليدخل المجتمع العراقي في مرحلة شفاء جراحه الطائفية التي فتحت خلال الاحتلال الأمريكي وتبعات ذلك عبر تزايد النفوذ الإيراني والخليجي فيه، التي استفحلت خلال الأوضاع السياسية العراقية بعد عام ٢٠١١، بعد أن ازدادت وتيرة التطورات السياسية والأمنية والزخم في العراق خلال مرحلة تاريخية جديدة تمثلت بالانسحاب الأمريكي، تبعها حدوث تطورات أخرى في العراق تمخضت ذروتها في حزيران ٢٠١٤ عندما سيطر تنظيم داعش الإرهابي على مناطق كثيرة من البلاد.

تسببت داعش والحرب ضدها على خلق تعقيدات أخرى في السياق الاجتماعي والسياسي والأمني للعراق، بشكل عام لازال العراق يأن منها لغاية الآن، خاصة بعد عودة نشاط تنظيم داعش وإمكانية استخدامه كورقة لم تحترق بعد للأطراف المتصارعة من جهة، وتزايد انفلات السلاح وتزايد الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة بما يهددها ويضعفها داخليا وخارجيا ويجعل منه ساحة خصبة لتصفية الحسابات وملعبا للمواجهة بين تلك الأطراف.

من جهة أخرى، هذه التطورات السياسية تمثل فرصة سانحة للعمل على إدارة ملف العلاقات الإقليمية مع دول الجوار والمنطقة العربية بواقعية وبعد نظر وبروح بعيدة عن التموضع أو التردد والانحياز لطرف أو محور على حساب طرف ومحور آخر، من أجل حل المشاكل العالقة مع تلك الدول التي لها تأثير كبير على استقرار العراق.

لكن هذا الاستقرار يرتبط بترابط محوري مع الوضع الداخلي المتعلق بتحقيق الإصلاحات الداخلية التي وعدت الحكومة المواطنين بها، فإذا فشلت الحكومة بملف الإصلاحات والخدمات فمن المرجح أن تفشل في تحويل هذه الفرص إلى مكاسب على مستوى التقارب الإقليمي والدولي، مما يؤدي إلى انفجار الأوضاع بصورة جذرية، وسيسمح ذلك بزيادة التدافع الخارجي الإيراني الأمريكي الخليجي في العراق لاستثمار الاحتجاجات لصالحها لضمان أي تغيير سياسي محتمل يكون لصالح هذه الأطراف.

ما يعول عليه في تحقيق اختراق إيجابي لصالح العراق في هذه التطورات يتمثل بشخصية رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي فهو رجل حوار وليس رجل أزمات وصدامات، وله مقبولية إقليمية ودولية واسعة وبإمكانه تحقيق مكاسب للعراق على المستوى الإقليمي والدولي، وفوزه بولاية ثانية كمرشح تسوية هو الفيصل لترجمة هذه الإيجابية وهذا المؤشر قد يكون سببا في إعادة تكليفه وتزايد حظوظه.

كما ويعول على أنه ليس من مصلحة إيران وأمريكا حاليا في ظل أجواء التقارب والتفاهم والتفاوض أن تكون هنالك أزمات أمنية واقتصادية وسياسية دائمة ومفتوحة في العراق، فمن منظور مكافحة الإرهاب وتحقيق المصالح للطرفين أن تكون الساحة العراقية مستقرة، ولابد من التفاهم وإيجاد مشتركات لمواجهة التحديات والأزمات في العراق لا ترويضها لمواجهة الطرف الآخر، وهذا ما حصل في بعض الملفات بعد عام ٢٠٠٣ ومنها مواجهة تنظيم داعش.

أما في حال الإخفاق في استثمار هذه التطورات أو انحسار فرص استكمالها بين الأطراف المتفاوضة فإن خيار المواجهة بين هذه الأطراف سيكون هو الحاضر ورغم انه من المستبعد أن يكون الخيار بين إيران والولايات المتحدة هو خيار المواجهة العسكرية المباشرة، لكن ذلك لن يمنع من حصول اشتباكات بين مصالح واشنطن وطهران في البؤر المتوترة وتحديدا في العراق وربطا مع معطيات الوضع الراهن، فإن مضاعفة مشاهد استمرار الحروب المفتوحة بالوكالة بين حلفاء كلا الطرفين ستكون ماثلة عراقيا.

إن سيادة حالة الصراع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني واستمرار التهديدات وتراجع وتدهور مكانة العراق سيكون هو المشهد البديل عن استثمار الفرص الناجمة من التطورات السياسية الجارية في المنطقة، وهذا المشهد قد يكون هو المرجح بسبب حيوية الموقع الجيوسياسي للعراق في المنطقة، كما أن إيران وأمريكا لن يتركا العراق بسهولة لأنه منطقة نفوذ سياسي أمني اقتصادي كما أن العراق بحاجة لإيران وأمريكا؛ إيرانيا في موارد عديدة أمنيا واقتصاديا وجغرافيا تدفعه لاستمرار التفاعل الجيوسياسي معهما سواء على المستوى الرسمي أو على مستوى الفاعلين السياسيين وهذا له انعكاسات سلبية تجعله ملعبا لا لاعبا.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2021Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق