خلق الازمات في منطقة الشرق الأوسط، أصبح اهم عناوين الدول الإقليمية والمهمة في تلك المنطقة، على ما يبدو لا أحد من قادة هذه الدول وانظمتها يريد البحث عن أساليب جديدة او طرق مختلفة للتعامل السياسي في داخل بلدانهم، او في تعاملهم مع الاخرين، "الانغلاق" والانكماش على الداخل، محدودية التفكير ورفض التجديد والتفكير بطريقة إيجابية، إضافة الى تصفير الخلافات وتحقيق معادلة "الربح لجميع"، كلها وغيرها أسباب شجعت على "خلق الازمات" او "افتعالها" وقت الحاجة لها في منطقة لم تشهد الهدوء والسكينة والامن منذ عقود طويلة، فلا بد من ازمة تجتاح الشرق الأوسط، في كل حين ووقت حتى جاءت موجة الجماعات المتطرفة التي مارست الإرهاب وزرعت الموت في كل مكان، لا سيما تنظيمي "القاعدة" و"داعش".

تعد المملكة العربية السعودية احدى الدول المهمة في الشرق الأوسط، فضلا عن أهميتها الاقتصادية (النفط)، وبين الدول الإسلامية والخليج والعالم العربي دولة بمكانتها وثقلها الديني والاقتصادي وتأثيرها السياسي على الاخرين، يمكن ان تفعل الكثير في تحسين أجواء المنطقة الموبوءة بجراثيم "داعش" و"النصرة" و"الطائفية"، لكن هل بادر النظام السعودي الى خطوات من شانها تخفيف حدة العنف في العالم الإسلامي والعربي والشرق اوسطي؟.

لنضرب بعض الأمثلة على ذلك:

- دفعت الازمة السياسية في اليمن باتجاه "الحرب الاهلية"، بعد ان شكلت "تحالف عسكري" تحت مسمى "عاصفة الحزم"، لضرب المعارضين (الحوثيون وحزب المؤتمر وأحزاب وعشائر يمنية أخرى لا تعترف بهم السعودية)، لحكومة "هادي" التي دعمتها السعودية من البداية، لكن هل انتهت الازمة؟.

بعد مرور أكثر من 3 أشهر على الضربات الجوية المركزة، والدعم للجماعات المسلحة المؤيدة لحكومة "هادي" المتواجد في السعودية، لم تتمكن السعودية ولا الدول التسع التي تحالفت معها من تغيير سيطرة الجيش اليمني والحوثيون على الأراضي التي وقعت في قبضتهم، إضافة الى مقتل الالاف وتهجير أكثر من مليون يمني مدني جراء الغارات الجوية، وتدمير البنى التحتية القديمة لليمن، مقابل تمدد تنظيم "القاعدة" الذي استغل فوضى الحرب ليتوسع في حضرموت وغيرها، وعندما تدخلت الأمم المتحدة لحل القضية اليمنية سياسيا لم تتشجع السعودية على إيقاف الحرب، وبقيت القضية معلقة في علم الغيب حتى الان.

- التضييق على الحريات العامة والخاصة، حقوق المرأة، الأقليات، الصحافة، حرية التعبير عن الرأي، المعارضة السياسية، كلها من المحرمات في المملكة وقد أوضح الرئيس الأمريكي باراك اوباما، عندما سئل عن حماية حلفاء واشنطن العرب السنة، مثل المملكة العربية السعودية، قال "إن لديهم بعض تهديدات خارجية حقيقية للغاية، ولكن لديهم أيضا بعض التهديدات الداخلية – السكان الذين يكونون في بعض الأحيان منعزلين، والشباب الذين يساء استغلال مهاراتهم (العاطلين)، وأيديولوجية مدمرة ومهلكة، وفي بعض الحالات، مجرد الاعتقاد بأنه لا توجد مخارج سياسية مشروعة للمظالم".

وأضاف اوباما "ولذلك جزء من عملنا هو العمل مع هذه الدول والقول: "كيف يمكننا أن نبني قدراتكم الدفاعية ضد التهديدات الخارجية، ولكن أيضا، كيف يمكننا أن نعزز الجسد السياسي في هذه البلدان، بحيث يشعر الشباب السنة أنهم لديهم شيئا آخر سوى (داعش) للاختيار من بينه، أعتقد أن أكبر التهديدات التي يواجهونها قد لا تكون قادمة من إيران المهاجمة. إنه سوف يكون من الاستياء داخل بلدانهم. هذا حوار صعب لإجرائه ولكن يجب علينا أن نجريه".

- التسريبات التي أطلقها موقع "ويكليكس" مؤخرا نصف مليون وثيقة تخص الخارجية السعودية تم الافراج عن 60 ألف وثيقة منها، وكانت كفيلة بمعرفة حجم التدخلات التي تمارسها الخارجية والمخابرات مدعوما من النظام السعودية في شؤون العديد من الدول العربية والخليجية في اليمن والعراق وسوريا ولبنان وليبيا ومصر والقائمة تطول، أموال كبيرة صرفت وسائل اعلام، تجسس، شراء ذمم، أحزاب وشيوخ عشائر ورجال دين لكن لماذا؟ الى، متى؟.

- في سوريا والعراق التدخل السعودي أوضح من الإشارة اليه، ويكفي ان نتذكر تصريحات نائب الرئيس الأمريكي "جو بايدن" الشهيرة، فيما يتعلق بسوريا، والتي قال فيها إن "دعم تركيا والإمارات والسعودية للمجموعات المتشددة في سوريا أدى إلى صعودها"، وقد اعتذر لاحقا الى هذه الدول عن تعليقاته الصريحة، والتي أوضحت بشكل مباشر ان دولا حليفة للولايات المتحدة الامريكية، ومنها السعودية، قد دعمت "الجماعات المتشددة" في سوريا، وماذا غير تنظيم "داعش" و"جبهة النصرة" و"جيش الإسلام" وغيرها من الجماعات المتطرفة والارهابية في سوريا الان؟.

اما في العراق فقد عانت البلاد من تدفق الالاف المسلحين والانتحاريين والتكفيريين القادمين من السعودية طوال العقد الماضي، (وفي إحصائية نشرتها صحيفة نيويورك تايمز نقلا عن مسؤولون أميركيون أن حوالي 40% من نسبة الارهابيين في العراق خلال سنة 2007 وحدها، حملوا الجنسية السعودية)، محملين بفكر "التكفير" و"التطرف الديني" تحت مسمى "الجهاد" و"تطبيق الشريعة" وقتل "الروافض الكفار" انطلاقا من المذهب "الوهابي" الذي تعتنقه الدولة بصفتها الرسمية، ويدرس في مدارسها وجامعاتها الدينية والأكاديمية.

حتى الهجمات الانتحارية التي طالت السعودية في الآونة الأخيرة لمرتين، استهدفت "الأقلية الشيعية" في المملكة باعتبارهم "كفار"، اما التفجير الانتحاري الثالث الذي ضرب جامع الامام الصادق في الكويت، فقد كان الانتحاري يحمل الجنسية السعودية أيضا.

ما نريد قوله ان تغذيه الفكر بالتطرف الديني عامل أساسي على خلق التطرف ومن ثم انتشار الازمات والفوضى في المنطقة، وهذا التطرف والأزمات لن تلبث حينا حتى ترتد على المصدر او المصدر، اليوم على الشيعة وغدا على النظام نفسه، فالأزمات لا تخدم أحد سوى المتطرفين أنفسهم وهم بطبيعة الحال لا يعترفون بنظام دون نظامهم ولا بدين غير دينهم ولا يوجد بنظرهم مؤمنون غيرهم على وجه الأرض، لذا فمن السهل عليهم ان يكفروا حتى من دعمهم وسهل لهم التمدد والهيمنة والقوة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0