كم من الفظائع ارتكبت؟ وكم من الحقوق انتهكت؟ باسم السياسة وتحت سقفها وعنوانها بعد أن انتزعت من عقلانيتها وحيادها وغاياتها النبيلة وأضحت مركباً وسلاحاً لطلاب السلطة الغاشمة وأهل الشر والغايات الدنيئة، فأمست هدفاً مستباحاً لكل التهم وسهام النقد والزلل؛ فهل تراها – بالفعل- قد خلعت عن ذاتها رداء العفة والنوايا الحسنة، بعد أن البستها تجربة الحكم رداء المكر والظلم وساقتها النفوس السقيمة والصراعات الاليمة الى مهاوي الرذيلة، حتى أنشبت مخالبها وأنيابها في جسد الوطن وروح المواطنة متحملةً إثم كل ما أرتكب باسمها وتحت عنوانها من الخطايا والجرائم؟

وهل ترانا نسلم بالحكم القاسي الذي أصدره الشيخ محمد عبده عليها بقوله: "لعن الله السياسة وساس ويسوس وسائس ومسوس، وكل ما أشتق من السياسة، فإنها ما دخلت شيئًا إلا أفسدته"؟ أم انها كانت ضحية لما ارتكب باسمها من المظالم وإن فاعلاً آخر ينوء بكل هذه التهم والفظائع؟

إن من عَلّمَتْ الانسان منذ بزوغ فجر الحضارة فن التدبير، وإدارة شؤون الحكم والمجتمع، وصنع الخير العام حتى لا تكون الدولة والسلطة فيها لعبةً للاندفاعات العمياء والغايات الدنيئة، تستحق بجدارة لقب سيدة العلوم –كما اصطلح عليها ارسطو– مثلما لا تستحق لعنة التأريخ وجرائم الحكام، وإن كان ذلك من تبعات حصادها المر عبر تأريخها الحضاري الطويل بفعل حضورها الطاغي في الشأن العام والخاص من جانب، وخضوعها التام لقانون التغيير وتداعياته، حتى اضحت السياسة –على حد تعبير عالم السياسة الأمريكي ديفيد إيستن- عالماً من التقلبات المتواصلة، والتوترات والتحولات؛ فغابت عنها بفعل الممارسة العملية وغير السوية للسلطة تلك الحدود التي تفصل بين معناها الفلسفي والاخلاقي، والمعنى الواقعي المتعلق بالدولة والسلطة والطبقة السياسية الحاكمة؛ ولاسيما بعد أن أٌسيء استخدام السلطة وأدواتها وغاياتها، واتخذت السياسة سلماً للصعود الى الاخيرة واحتكارها وتسخيرها لخدمة المآرب غير المشروعة، حتى شهدنا ولادة مفهوم (التسييس) الذي كان ثمرة اغتصاب السلطة لكل دلالات وأدوات السياسة، واستحواذ الاولى الآثم على مشروع الثانية الاخلاقي والحضاري.

والتسييس من حيث المعنى والمقصد هو “عملية إضفاء الطابع السياسي على أي موقف ليس له بالأصل هذه الصفة"؛ ما يعني "قيام حاكم او مجموعة سياسية (حزب او تنظيم) بالعمل على اضفاء طابع سياسي على أي أمر أو نشاط يخص الشأن العام لتحقيق مصالح خاصة تتعلق بالسلطة"، وبكل الاحوال فان التسييس لا يخرج عن كونه "عملية إخضاع المؤسسات والافراد للاعتبارات والغايات السياسية وجعلهم في خدمة السلطة او حزبها او الاحزاب المتنافسة عليها".

واذا كان التسييس كفعل ينطوي على تحريف الأحداث والأنشطة والمواقف لتتحول إلى فعل سياسيّ لخدمة أغراض صاحب السلطة أو الساعي اليها، سواء أكان فرداً أم جماعة؛ فان هذا الفعل لا يسير في طريق التنشئة ولا يقترب من مقصدها ومعناها كونها تتضمن "تربية المواطن وتنشئته وتوجيهه فكرياً ومعنويا ً بما يسهم في ترسيخ قيم ومواقف واتجاهات معينه تتيح له الإسهام في الحياة العامة، وخدمة قضايا وطنه"، بخلاف عملية التسييس التي تستهدف ترويض الشعب وإخضاعه بل وتحويله الى قطيع سهل الانقياد؛ فكل شيء وموقف قابل للتسيس ما دام هناك إرادة ما لتسييسه بقصد تحقيق غايات تخص السلطة او تقرب منها.

على هذا سارت عملية التسييس في ركاب السلطة وتبلورت حدودها في نطاق مقاصد الحاكم، فاتسعت هذه العملية (أي التسييس) لتبلغ أقصى حدودها في النظم الشمولية، حينما اتجهت السلطة الى اختراق المجتمع بنيوياً والإمساك بمفاصله وإلحاقه التام أو شبه التام بأيديلوجية او غايات القابضين على السلطة فردا كان ام فئة؛ فأضحى التسييس -وفق هذا المنظور- جزء من الادلجة واستحواذ السلطة على الدولة ومؤسساتها وشعبها.

بالمقابل تضييق دائرة التسييس الى حد التلاشي في ظل الانظمة الدستورية والديمقراطية بعد أن يخضع الشعب ومؤسسات الدولة بضمنها السلطة لسيادة القانون ومقتضيات العدل والمساواة بدل الخضوع لسطوة وامزجة الحاكم. من هنا يبرز الفارق النوعي الاساس بين النظام الديمقراطي والسلطوي في ميزان التسييس، حينما تضييق دائرة الاهتمامات السياسية لتقتصر على اصحاب السلطة والساعين اليها من الاحزاب السياسية دون غيرهم، فيكون استقلال السياسة، سمة نوعية للمجتمعات الديمقراطية التي من شأن سلطتها وأحزابها الحرة تشكيل فضاء ضروري للحياة السياسية.

ويكون التسييس سمة بارزة وسلاحا نافذا للسلطة المستبدة في النظم الشمولية في مساعيها للاستحواذ على الدولة ومؤسساتها ورعاياها؛ وشرعنة وجودها وتبرير قرارتها بادعاء الحق والصواب المطلق، الرافض لكل خطاب معارض مهما يكن اسمه ومحتواه، فلا يتبقى للمجتمع إلا الانكفاء على نفسه والانعزال عن مجرى الأحداث الفعلي والتحوّل إلى حشد من الرعايا يتحرك فقط عندما تريد السلطة منه ذلك في حشود قطيعية أسطورية للتمجيد والتصفيق والثغاء بحمد ذوي الشأن متحولين من اصحاب السلطة "الرسولية" التي لا يجيئها الخطأ من أية جهة كانت".

جدير بالملاحظة والذكر إن ظاهرة التسييس لا تقتصر على النظم الشمولية والسلطوية التي تقوى فيها شوكة السلطة ونفوذها، بل تظهر ايضا في الدول الفاشلة التي تضمحل فيها قدرة السلطة، وتستمكن على حسابها قوى اللادولة فتطرح نفسها بديلا عن السلطة وتسعى لمليء فراغها وفرض سيطرتها وتأثيرها على المجتمع باعتماد جملة من الوسائل التي لا تستبعد التسييس وفق رؤية هذه القوى ومقاساتها وغاياتها الخاصة على حساب المصالح العليا للدولة والشعب؛ فتكون عملية التسييس، وفقاً لهذا المسار، وسيلة للتغطية على مساوئ هذه القوى وتبريرها او حتى تمكينها من السيطرة على مؤسسات الدولة والمجتمع والتهامها.

على هذا يمكن الاستنتاج بأن عملية التسييس تظهر على مستويات وصور عدة وتعتمد آليات تتنوع بحسب القدرات المتاحة والظروف المحيطة لتلتقي عند الغاية المنشودة التي لن تخرج عن نطاق السعي الى إحكام السيطرة على المجتمع واخضاعه لإرادة صاحب السلطة او الساعي اليها من القوى السياسية، من خلال استزراع اعوانها في مؤسسات الدولة واخضاع برامج عمل الاخيرة للاعتبارات والمبررات السياسية المفصلة على مقاسات هذه القوى لضمان مصالحها وانجاز غاياتها غير السامي؛ فيقدم معيار الولاء على ما سواه من معايير الكفاءة والخبرة والنزاهة عند تقليد المناصب واختيار الاعوان، وتقدم المصلحة الخاصة لصاحب السلطة او اعوانه على حساب المصلحة العامة للمؤسسة والدولة عند رسم السياسات واتخاذ القرارات التي ستفوح منها –بالضرورة– رائحة الشخصنة والاعتبارات السياسية والحزبية لقوى السلطة وأذرعها.

فلا مجال للحديث عن المساواة وتكافؤ الفرص عند توزيع المهام التي ستكون مفصلة بقياس درجة القرب من السلطة او البعد عنها وبمعيار الفائدة لهؤلاء دون المصلحة العامة، ولا مجال كذلك للحديث عن الابداع والطموح والبناء المؤسسي في ظل هذا الاستنزاف القيمي والتداعي الاخلاقي تحت طائلة التسييس، بعد ان تزهق روح المبادرات الفردية البناءة على محراب المصالح الحزبية والسلطوية الضيقة، ويشيع في الارجاء خطاب الانقسام والتصنيف الفئوي والتخوين؛ فمن ليس مع السلطة او بقربها ولا يتحدث بلسانها او لسان احزابها، ستحل عليه لعنة التخوين والتخاذل أو التآمر والاقصاء؛ فتطمس –تبعا لذلك- حرية التعبير، وتضيق الى حد التلاشي مساحة النقد البناء، وتطفو الى السطح؛ بل وتطغى قيم الانتهازية والوصولية والتعالي التي ستنخر تدريجياً منظومة القيم والتقاليد السائدة في المجتمع لتحل محلها؛ فيعاد تشكيل الوعي الجمعي وفقا لمعايير وقياسات السلطة وقواها النافذة.

في سياق حالة انعدام الوزن الاخلاقي للدولة بفعل عمليات التسييس آنفة الذكر، سيعم الفساد المحمي بأدوات السلطة وقواها في ربوع الدولة ومؤسساتها، بعد أن تتحول هذه الاخيرة الى ثكنة حزبية أو منصة سياسية تلهج بلسان السلطة وأزلامها. وما يزيد الامر سوءا ويمعن في تفاقم واستشراء حالتي التسييس والفساد معا، أن الحكم والتقييم النهائي لمكانة أي مؤسسة ومستوى أدائها ونجاحها في الدولة السلطوية المسيسة، سيخضع –بالمحصلة- لمعايير قدرتها على خدمة اغراض ومصالح السلطة او قواها المتنفذة بقطع النظر عن كفاءتها ومدى فائدتها للمجتمع.

فتكون الحصيلة النهائية لكل ما تقدم فشل الدولة والانهيار التدريجي للنظام فيها بفعل التآكل التدريجي لشرعية الاخير ومصداقيته وقدرته على الانجاز وصيانة الهوية الوطنية وضمان السلم الاهلي.

مما تقدم نصل الى القناعة بان عقلانية السياسة وحياديتها وقيمها ومهاراتها، قد استحوذت عليها مغامرات السلطة وجنونها ومظالمها، وكان التسييس بمثابة الابن غير الشرعي للعلاقة الآثمة بين السلطة والسياسة، مثلما كان التسييس توأماً للفساد والتدني الاخلاقي وحتى التطرف بالتحام المسار والمآل.

وعليه، كلما اتسع نطاق السلطوية في المجتمع اتسع معها نطاق التسييس وانحسر قبالتها هامش الديمقراطية والحرية في المجتمع، فكان ذلك مناخاً ملائماً لاستنبات قيم الخنوع والاقصاء والانتهازية والظلم والفساد، وعندما يتصدى لأمر السلطة ساسة يعزفون على كل الأوتار ويرقصون على كل الألحان، تحت ذريعة توصيف السياسة بكونها “فن الممكن”، ستتحول هذه الاخيرة –بالضرورة– الى قوة هدامة منفلتة الحدود مفرغة من القيم والمعايير والضوابط، يستعمر قلبها النفاق، وتغرق أوديتها فيضانات الفساد والعنف والانهيار الأخلاقي، فتتجرع البشرية بفضلها كأس المصائب وويلات الحروب والشقاء، وتصبح الديمقراطية سجينة أصحاب المصالح، فلا تعني أكثر من شعارات سياسية جوفاء تجري وراء الاصوات الانتخابية حتى ولو كان ذلك على حساب دماء الناس وشقاءهم، فتقدم السياسة ومن بعدها الوطن والمواطن والروح الوطنية قرابين للسلطة ومريديها...

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

اضف تعليق