لم تكن واقعة إعدام الداعية السعودي الشيعي الشيخ نمر باقر النمر والهجوم على البعثة الدبلوماسية السعودية في طهران في عام 2016، القشة التي قصمت ظهر العلاقات السعودية–الإيرانية، وإنما تاريخ الخلافات السياسية والقطيعة الدبلوماسية يعود إلى نهاية سبعينيات القرن الماضي، عندما اندلعت الثورة الإسلامية في إيران بزعامة السيد الخميني في عام 1979، إذ اعتبرت الرياض آنذاك، الثورة الإيرانية بمثابة تهديد إلى أمنها وسيادتها ولنفوذها التقليدي في المنطقة العربية والعالم الإسلامي.

وفي ظل الاخبار والتقارير وتصريحات المسؤولين السعوديين والإيرانيين، التي تؤكد على رغبة الطرفين في إنهاء الخصام والصراع بينهما ومد جسور التعاون والتبادل الدبلوماسي والجلوس على طاولة المفاوضات، نحاول استقراء طبيعة التحديات التي من شانها أن تعيق هذا التقارب، أو تلك التي تمثل تحدي لمستقبل العلاقات بين الطرفين "إذا ما نجحا في التوصل إلى تفاهمات مشتركة في الوقت الحالي".

نقطة البداية كانت من العراق بحسب الصحيفة البريطانية فاينانشال تايمز: والمحادثات التي جرت في 9 نيسان في بغداد، بوساطة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، هي "أول مباحثات سياسية مهمة" بين البلدين منذ عام 2016. وعلى الرغم من أن المباحثات جرى تضمينها ببعض المواضيع المهمة من الجانب السعودي، برئاسة رئيس جهاز المخابرات العامة خالد بن علي الحميدان، وقد لاقت ترحيب من قبل المسؤولين الإيرانيين، لكنها من الممكن أن تتعارض مع رغبة وإرادة الطرفين بسبب بعض القيود والتحديات، ولاسيما تلك القيود التي تفرضها طبيعة علاقة السعودية وحلفائها في المنطقة وحلفائها الدوليين ايضاً، وكذلك الحال بالنسبة لإيران، وطبيعة الوضع القائم في منطقة الشرق الاوسط.

فالموقف السعودي من المباحثات ورغبته في إعادة العلاقة مع طهران، جاءت متأثرة بالموقف الأمريكي ورغبة الإدارة الأمريكية الجديدة وتوجهاتها السياسية والاستراتيجية في المنطقة بشكل عام، وموقفها من الاتفاق النووي، والمباحثات الجارية بشأنه في مدنية فينا بشكل خاص. وهذا من شأنه أن يشكل تحديا كبيرا أيضاً في مستقبل الحوار والعلاقة بين الطرفين، أو يجعل من موضوعة إعادة العلاقات الدبلوماسية بين طهران والرياض، محل شكر وجدل كبيرين، ولاسيما في حال فشلت المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بشأن التوصل إلى حل أو اتفاق شامل للبرنامج النووي الإيراني، أو أن يتأثر الحوار ورغبة الطرفين بطبيعة العلاقة أو الصراع المستمر بين واشنطن والرياض، سواء مع الإدارة الحالية، أو في حال تبدًّلت الإدارة الأمريكية بعد اربعة سنوات.

هذا من جانب، من جانب آخر، قد تكون للانتخابات الإيرانية المقبلة، تأثير كبير، لا يقل شأناً أو خطورةً عن الموقف السعودي وارتباطه بالموقف الأمريكي، ولاسيما في حال جاءت الانتخابات الإيرانية بالتيار المتشدد إلى سدة الحكم، التيار المناهض لسياسة الرئيس الحالي حسن روحاني، وفكرة الاتفاق النووي وإعادة التفاوض بشأنه مرة اخرى، والعلاقة مع واشنطن والرياض بشكل عام.

ولعل تسريبات التسجيل الصوتي لوزير الخارجية الإيرانية بشأن حديثه عن قاسم سليماني في هذا الوقت، يراد منها تعطيل مشروع التفاوض على الاتفاق النووي، واقالة ظريف والدفع بدبلوماسيته الناعمة القائمة على تقريب طهران من المجتمع الدولي والإقليمي، إلى التيار الأكثر تشدداً داخل إيران، وهذا بالتأكيد سينعكس سلباً على فكرة الانفتاح بين طهران والرياض وإعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما.

فضلاً عن ذلك، فإن إسرائيل التي انفتحت على بعض دول العالم العربي بشكل رسمي، ولاسيما مع دول الخليج، وتريد أن تضع خطط واتفاقات مع هذه الدول بعيداً عن إيران، أو أن تستغل دور إيران ونفوذها في المنطقة وتهديدها لأمن الخليج الإقليمي والداخلي لصالحها، ستقف حائلاً أمام أي حوار سعودي–إيراني؛ من شأنه أن يؤدي إلى تقارب، أو إلى تفاهمات مشتركة بين الطرفين.

بالإضافة إلى ذلك، يبدو بأن موضوعة التقارب السعودي–الإيراني، تحكمه بعض المؤثرات الخاضعة للبيئة الداخلية لكلا الدولتين، فهناك اعتقاد كبير بأن رغبة الطرفين في إعادة العلاقات الدبلوماسية، لم تخضع للإرادة السياسية فقط، بل أن للرغبة الدينية والاختلاف المذهبي "الطائفي"، والمؤسسات الدينية، دور كبير في ذلك، فالمرشد الإيراني من جهة، والمؤسسة الدينية السلفية في السعودية من جهة أخرى، ربما يقفان حائلاً أمام هذا التقارب، ولاسيما أن القطبين متعارضان في السياسات الإسلاموية في المنطقة، تعارض بين جمهورية ثورية مقابل مملكة محافظة، تزعم كل منهما أنها تمثل الإسلام والمسلمين، تمثيلاً أكثر شرعية في المجال السياسي.

فضلاً عن ذلك، فإن السعودية تريد إعادة العلاقات وفتح القنوات الدبلوماسية وأن تتفاوض مع إيران الدولة وليست الثورة، وستضع الدور الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن في نظر الاعتبار، وسيكون التنافس الجيوسياسي الطبيعي في منطقة الخليج والمصالح المختلفة إلى حد ما حول قضايا النفط، تحدي آخر قد يقلل من إمكانية إعادة العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين. لكن بموازاة ذلك، هناك فرص حقيقية يمكن استثمارها في هذا التقارب، وسيتعيَّن على الرياض وطهران خوض مفاوضات صعبة بعيداً عن تأثير المناوئين للتقارب بين الطرفين من المتشدّدين الداخليين والأعداء الخارجيين، ولاسيما ما يتعلق بدور إسرائيل في المنطقة ومساعيها الرامية إلى الحفاظ على التقاطع الخليجي–الإيراني.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

اضف تعليق