دشن الحضور الاعلامي الرمضاني التنافس الانتخابي الشديد وأدخله مرحلة ساخنة، فما بين الانتخابات المقررة في تشرين الثاني القادم والموسم الرمضاني الحالي فترة لا تزيد على الستة أشهر، وهي فترة طويلة نسبيا لبدء حملة انتخابية ناجحة، فتخطيط الحملات الانتخابية قد لا يحتاج الى هذا التمهيد الطويل لو لم تكن هناك مشكلة بل مشاكل خطيرة في التواصل مع الجمهور.

ليس من شك ان جمهورنا محبط للغاية ويتمنى التغيير، لكن هذا التغيير لن يأتي بالطريقة التي يتخيلها هذا الجمهور الملول الغاضب، فلا قوى سياسية وازنة دخلت معترك التنافس، ولا المفاهيم والشعارات والبرامج واضحة بما فيه الكفاية، ليعرف الجمهور لمن يصوت، والى اي اتجاه سياسي سينحاز.

الحملة الانتخابية الرمضانية بدأت باحاديث مطولة للرموز السياسية وشخصيات الصف الثاني والثالث والرابع في الهرميات الحزبية، وكل واحد من هولاء يشتغل على قضايا ملتبسة في ذهن الجمهور يريد تصحيحها، لئلا تتراكم فوق التباساتها (حقائق) من نوع جديد، حقائق التسفيط الانتخابي المتوقع والذي انطلق مسبقا، وقضايا الشعارات الكبرى التي سينشغل بها الجمهور.

خلال الاعوام السبعة عشر المنصرمة، تعامل الجمهور مع انماط حزبية متعددة (احزاب واقعية حقيقية موجودة ذات تاريخ، رموز دينية وسياسية، تجمعات سياسية تكونت على عجل لتبحث لها عن مكان في سوق العمل السياسي العراقي، انطلقت التجربة الميدانية بعد عام 2005 مع اقرار الدستور، واتيحت لهذه القوى ان تجرب نفسها وتختبر امكاناتها، كانت الساحة السياسية اشبه بكرنفال حزبي استعراضي، اعلام مفتوح ومال سياسي وفير، وتوجيهات من اعلى المراكز المؤثرة في الثقافة العامة، حصيلة التجربة بكل ما رافقها من ارهاب وازمات مالية وصراعات دولية واقليمية وصراع نفوذ كبير، هو ما نراه ونشهده اليوم، شكوك وعزوف والتباسات مفاهيمية وتجارب صادمة وبون شاسع بين الواقع والمثال، في مثل هذه الاحوال الاجتماعية وبعد أزمة سياسية خانقة واحتجاج اجتماعي هو الاضخم والاطول من نوعه في تاريخ العراق الحديث ،تأتي الانتخابات (المبكرة) القادمة لتصنع حلا!! حل لازمات البلاد واعادة تمثيل قوى الشارع في السلطتين التشريعية والتنفيذية، لتاتي السياسات العامة لصيقة بهموم الناس اليومية وليس بهموم (النخبة السياسية).

الناس تبحث عن حلول لمشكلات حياتها اليومية، تريد اقتصادا فعالا ينتشلها من الفقر والبطالة وسوء الخدمات وضعف الاداء والفساد، وحتى يتحقق للعراق اقتصاد ديناميكي فعال مستجيب للزيادة السكانية المرعبة ولتوقعات الناس (بان بلادهم غنية ومن حقهم يعيشوا مثل جيرانهم)، لابد من تفاهمات سياسية محكمة تجنب البلاد منزلقات الفوضى والصراع والفتن السياسية، مع سياسات امنية ودفاعية متينة تحفظ هيبة الدولة والقانون وتدافع عن سيادة البلد ومصالحه وحقوقه، ذلك ما يستدعي من الاحزاب والقوى المتنافسة ان تخطط لحملاتها الانتخابية وفقا لاولويات الشارع طمعا في الحصول على اصواته وتفويضه، لكن الذي يحدث هو العكس تماما، فما تفكر به تلك الاحزاب هو اجندتها الخاصة، فهي لا تقدم برامج وحلولا وخططا -هذا ان امتلكت هذه الرؤية -،انها تقدم شعارات ساخنة وتثير قضايا تمثل لها اولويات، غير اولويات الشارع المحبط، فالاقتصاد ليس اولوية لديها، والامن الشامل غير مطروح على اجندتها، والسيادة والدفاع عن مصالح البلاد تفهمه برؤية مؤدلجة لا تنظر لمصالح شركاء الوطن، ومحاربة الارهاب ومكافحة الفساد شعار بلا خطط ولا تحليل مبني على تجارب ونظريات ورؤى مناسبة، كل الهموم منصبة على (منع الاخر) من التمدد (ديمقراطيا) على السلطة وفي السلطة!

الصراع الانتخابي لن يكون بين رؤى اصلاحية واخرى تقليدية، ولن يكون بين برامج محافظة واخرى راديكالية، التنافس سيكون بين ذوات حزبية وصورها في عين الرأي العام وبين منافسين لها يريدون ازاحتها من عرش الحضور السياسي، وسيكون التحشيد الانتخابي على هذا الاساس بما يمنع من تبلور ممارسة انتخابية جادة بين برامج ومشاريع، بل بين جماعات ورموز سياسية كل منها يسعى الى الاحتفاظ بمقعده في المشهد الحاكم.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق