صحيح ان حب الأوطان راسخ في الوجدان، لكن هذا الشعور ينمو ويتطور، ويمكن له ان يتراجع ويضعف، والا بماذا نفسر سلوك اللامبالاة لدى الكثير من الأفراد الذين لا يعني لهم الوطن شيئا، فلا اخلاص بالعمل، ولا أداء للواجب، ولا حرصا على ارثه وآثاره او بيئته وماله. ولن أتحدث عن الذين يعملون لحساب الأجنبي تفضيلا له على وطنهم بدواع واهية، والذين يسرقون المال العام، بينما تسكن الكثير من العوائل بيوت الصفيح، ويتحسر الشباب على فرصة عمل، والذين يقتلون العراقيين بدم بارد، لأنهم بالأصل لا يستحقون الكلام، وقلوبهم كالصخرة الصماء خالية تماما من هذا الشعور، لذلك هم خارج دائرة هذا الحديث.

ان تراجع الشعور الوطني صار ظاهرة لا تقبل الجدل والنقاش الا لدى المزايدين والذين لا يريدون الاعتراف بالحقيقة، ومظاهر التراجع كثيرة من غير التي ذكرتها توا، ويؤشر ذلك خللا في عمليات تنميته في مراحل الطفولة، وفشلا ذريعا في تعزيزه لاحقا، وبمقارنة بسيطة لمستوى هذا الشعور بيننا والمجتمعات الاخرى، نتلمس بونا شاسعا، فقد غرسته تلك البلدان في عقول وضمائر أبنائها غرسا، لذلك لا نرى فرقا في حب الوطن بين الفقير والغني، وبين المواطن والمسؤول، الكل يحب الوطن بصرف النظر عن قوميته ودينه ومذهبه، شعور يتسم برسوخه ولا يتزعزع بتبدل الأنظمة السياسية، يختلفون في كل شيء الا في حب الوطن. ولعل التجربة المصرية والتونسية والاماراتية خير شاهد على ما أقول.

ومع ان تقدم البلدان ورقيها، وحمايتها والدفاع عنها، وتماسك نسيجها الاجتماعي مرهون بمستوى الشعور الوطني، لكن جل مسؤولينا يهملون دور ما هو معنوي في بناء الوطن ولا يلقون له بالا، ولذلك ظلت المضامين الوطنية حبيسة الكتب المنهجية والشعارات الحزبية والبرامج الاعلامية الهزيلة، ولم نتمكن من نقلها بكفاءة الى النشء الجديد، فصرنا بإزاء ظواهر غريبة عن مجتمعنا، ومع ذلك نستغرب عدم تحلي البعض من شبابنا بالروح الوطنية العالية.

ويعود هذا الفشل الى تخلف المكلفين بأداء هذه الرسالة السامية، وضعف تحسسهم لحاجة المجتمع والبلاد لها، وعدم قدرتهم على تجسيد مضامينها، مع ان غرس الانتماء وتعزيزه لا يتحقق بتحفيظ الأطفال عبارات الوطنية، بل بتجسيدها بأشكال مختلفة، فغرس القيم بحاجة الى تجسيد، والفنون أكثر السبل تجسيدا من غيرها، لكنها تحتاج اهتماما ومهارات، ومثال ذلك: الاهمال الذي يكاد يكون تاما في مدارسنا بمختلف مراحلها الدراسية للفنون، فلم نرى حضورا للمسرح المدرسي او لمعارض الرسم او مهرجانات الشعر والخطابة او الاحتفالات المخطط لها بعناية من حيث سيناريوهات التنظيم او المضامين التي تنطوي عليها. وكل ذلك تتضمنه مادة التربية الفنية التي يمكن الاشتغال من خلالها على تنمية هذا الشعور، وبحدود معينة مادة اللغة العربية.

فعندما تهمل وزارة التربية ومديرياتها الفنون، وتسمح بالتجاوز على هذا الدرس، فذلك يعني ان القائمين عليها اما يجهلون أهمية الفنون ودورها الفعال في تنمية الروح الوطنية، او تحكمهم نظرة ضيقة متخلفة هي أبعد ما تكون عن مهمة التنوير التي يدعون قيادتها.

ولا يقتصر ذلك على هذه الوزارة، بل يشمل الأمر وزارة الثقافة ايضا التي لم تتمكن من تفعيل الحركة الفنية في عموم البلاد، فقد تلاشت فرق المحافظات المسرحية، وافتقدت الكثير منها الى صالات العروض الفنية والتشكيلية المناسبة، وما يحدث في المحافظات عمل بدائي ارتجالي وبجهود ذاتية من اناس يعشقون الفن، فلم نسمع بفعاليات موسيقية او عروض مسرحية او غيرها على المستوى الوطني تنفيذا لخطط مرسومة من الجهات العليا، بينما امتد العمل الفني في عقود خلت الى ما يسمى بالمسرح والسينما الجوالين اللذين يتنقلان بين القرى والأرياف لتثقيف المجتمع.

ثمة عوامل عديدة من شأنها تعزيز الشعور الوطني لا يتسع المجال لذكرها، لكن الغرس قبل التعزيز، واكاد اجزم: ألا شعور وطني من غير فن. فن غرس حب الوطن.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق