لم تترسّخ، فكرة المواطنة في الدولة العربية الحديثة بعد، سواءً على الصعيدين النظري أم العملي، فهي تحتاج إلى جهدٍ كبيرٍ على صعيد الدولة والحكم (السلطة والمعارضة)، إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني على حدٍ سواء، نظراً لغياب ثقافة المواطنة وضعف الهياكل والتراكيب والمؤسّسات الناظمة للاجتماع السياسي الحكومي وغير الحكومي.

وإذا كان بالإمكان اعتبار فكرة الدولة كمنجز بشري كبير الأهمية، خصوصاً لجهة حماية أرواح وممتلكات المواطنين، وحفظ النظام والأمن العام، فإن فكرة المواطنة بمعناها الحديث ارتبطت بتطوّر الدولة، ولا سيّما خلال القرون الثلاثة الماضية، والأمر يتعلّق بالأبعاد الفكرية والحقوقية والقانونية ووظائفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الراهنة.

ومنذ القرن الثامن عشر اعتمدت فكرة المواطنة بالدرجة الأساس على بناء الدولة، بأفقها الليبرالي الذي بشّر بإعلاء قيمة الفرد وقيمة الحرّية، بما فيها حرّية السوق في إطار سيادة القانون، وشهد القرن التاسع عشر تطوّراً في فكرة المواطنة بتعزيز الحقوق السياسية بعد إقرار الحد الأدنى من الحقوق المدنية، وبشكل خاص عند تطوّر مفهوم الديمقراطية الناشئ وقبول مبدأ الاقتراع العام.

أما في القرن العشرين فقد توسّعت فكرة المواطنة لتشمل مبادئ حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى حقوقه المدنية والسياسية التي جرى التوسّع فيها تدريجياً. وقد وجدت هذه الحقوق تأطيراً وتقنيناً دولياً بعد التطوّر الذي حصل على الصعيد العالمي بإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان العام 1948? وقد حظيت فكرة المواطنة باهتمام أكبر، لا سيّما بانتقالها من فكرة تأسيس دولة الحماية إلى تعزيز دولة الرعاية، وهو ما شهدته المجتمعات الغربية التي تبلورت فيها الفكرة بعد صراع طويل وتراكم كبير.

معاصرة وحقوق، وقد خطت بعض البلدان خطواتٍ مهمّةٍ في طريق تأمين الحقوق والحريّات المدنية والسياسية، وسارت شوطاً بعيداً في تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتأكيد حيوية وديناميكية فكرة المواطنة بمزاوجة الحقوق والحرّيات بالعدالة، وهو الأمر الذي نطلق عليه عنوان "المواطنة العضوية"، أي المواطنة التي تقوم على:

أولاً: قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات، وأمام القانون ودون تمييز بسبب الدين أو اللون أو اللغة أو الجنس أو العرق أو المنشأ الاجتماعي أو لأي سبب آخر.

وثانياً: قاعدة الحرّية كقيمة عليا لا يمكن تحقيق الحقوق الإنسانية الأخرى بدونها، فهي المدخل والبوابة الضرورية لجميع الحقوق، بما فيها حق التعبير وحق تأسيس الجمعيات والأحزاب وحق الاعتقاد وحق المشاركة السياسية في إدارة الشؤون العامة وتولّي المناصب العليا، وإجراء انتخابات دورية، إلى حق التملّك والتنقل وعدم التعرّض إلى التعذيب... إلخ .

وثالثا- قاعدة العدالة بجميع صنوفها وأشكالها، وفي جوانبها القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فمع الفقر لا تستقيم العدالة، ومع هضم حقوق المرأة ستبقى العدالة ناقصة ومبتورة، ومع التجاوز على حقوق المجاميع الثقافية الإثنية والدينية وغيرها، ستكون العدالة مشوّهة، ولعلّ مقاربة فكرة العدالة يمكن أن يتحقّق من خلال التنمية، وهو ما نقصده "التنمية المستدامة": السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والتربوية والصحية والبيئية إلخ، المستندة إلى قاعدة الحرّيات والحقوق المدنية والسياسية، تلك التي تغتني بالمعرفة وتنمية القدرات، لا سيّما التعليمية وتأمين حقوق المرأة و"المجاميع الثقافية" وتقليص الفوارق الطبقية وتحقيق العدالة الاجتماعية.

رابعاً- قاعدة المشاركة دون تمييز بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو اللغة أو اللون أو المنشأ الاجتماعي، إذ لا مواطنة حقيقية دون الحق في المشاركة والحق في تولّي المناصب العليا دون تمييز لأي اعتبار كان.وعلى أساس هذه الحقوق يمكن أن تتعايش هويّات مصغرة (فرعية) مع الهويّة العامة في إطار من المساواة والحرية واحترام حقوق "الأغلبية" من جهة، وتأمين حقوق "الأقلية" من جهة أخرى، على أساس التكامل والتكافؤ والتكافل والمساواة، أي التنوع في إطار الوحدة، وليس التنافر والاحتراب.

لقد ظلّ الاتجاه السائد في الثقافة المهيّمنة يميل إلى عدم احترام الخصوصيات أو التقليل من شأنها ومن حقوق "الأقليات"، سواءً كانت قومية أو دينية أو لغوية أو غير ذلك .وإذا كانت الحرّية قاعدة أساسية للجيل الأوّل لحقوق الإنسان، لا سيّما فكرة المساواة في الكرامة والحقوق، وبخاصة الحق في الحياة وعدم التعرّض للتعذيب وحق اللّجوء وحق التمتّع بجنسية ما وعدم نزعها تعسفاً، وحق الملكية، إضافة إلى الحقوق والحريات الأساسية، فإن الجيل الثاني لحقوق الإنسان، ارتبط بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص لحقوق الإنسان الصادر عام 1966 والتي تشمل حقوق العمل والضمان الاجتماعي والتعليم وحقوق المرأة والطفل والمشاركة في الحياة الثقافية والاستفادة من منجزاتها وغيرها.

أما الجيل الثالث لحقوق الإنسان فهو يستند إلى الحق في التنمية والحق في السلام والحق في بيئة نظيفة والحق في الاستفادة من الثورة العلمية – التقنية. ويمكن اعتبار الجيل الرابع ممثلاً بالحق في الديمقراطية، خصوصاً بإجراء الانتخابات والحق في التنوّع والتعدّدية واحترام الهويّات الخاصة، لا سيّما بعد انتهاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الآيديولوجي من شكل إلى شكل آخر بانهيار الكتلة الاشتراكية وتفكيك دولها وبخاصة الاتحاد السوفيتي.

وكان مؤتمر باريس المنعقد في تشرين الثاني (نوفمبر) 1990 قد وضع أساساً جديداً لشكل العلاقات الدولية ورسّخ هذا الاتجاه مؤتمر برلين (حزيران – يونيو) 1991 بعد حرب الخليج الثانية، بتأكيد: التعدّدية والتداولية وتشكيل مركز دائم لمراقبة الانتخابات وحرّية السوق، رغم أن القوى المتنفّذة حاولت توظيف هذا التوجه العالمي الإيجابي لمصالـــحها الأنانية الضيقة.

ولعلّ انكسار رياح التغيير التي هبّت على أوروبا في أواخر الثمانينات عند شواطئ البحر المتوسط، كان بسبب سعي القوى الدولية المتسيّدة في توجيه الأحداث طبقاً لمآربها السياسية ومصالحها الاقتصادية دون مراعاة لحقوق شعوب ودول المنطقة، الأمر الذي عطّل عملية التغيير، تلك التي جرت محاولات لفرضها من الخارج، ولكن على نحو مشوّه خصوصاً بعد أحداث 11 أيلول ( سبتمبر ) 2001 الإرهابية التي نجم عنها احتلال أفغانستان العام 2001 والعراق العام 2003. ومثل هذا الأمر يطرح فكرة العلاقة الجدلية بين المواطنة والدولة، وبقدر تحقيق هذه المقاربة، تكون فكرة المواطنة ببعدها الكوني وأساسها الحقوقي الإنساني قد اقتربت من المشترك الإنساني، مع مراعاة الخصوصيات الدينية والإثنية واللغوية، أي بتفاعل وتداخل الحضارات والثقافات، لا سيّما باحتفاظها بكينونتها الخاصة في إطار علاقتها العضوية بالأبعاد الكونية الإنسانية.

المواطنة تقوم وتستند إلى قاعدة المواطن – الفرد الذي ينبغي مراعاة فردانيته من جهة، ومن جهة أخرى حرّيته، الأساس في مساواته مع الآخر تساوقاً في البحث عن العدالة، وتعّزيز مبادئ المساواة والحرّية في إطار المنتظم الاجتماعي الوطني والائتلاف والانسجام من جهة، وتغتنيان بالتنوّع والتعدّدية من جهة أخرى، وذلك من خلال الوحدة والاشتراك الإنساني في الحقوق والواجبات، وليس بالانقسام أو التشظي أو التمييز.

وإذا كانت فكرة المواطنة تتعزّز من خلال الدولة، فإنها تغتني وتتعمّق بوجود مجتمع مدني حيوي وناشط، بحيث يكون قوّة رصد من جهة للانتهاكات المتعلّقة بالحريّة والمساواة والحقوق، ومن جهة أخرى قوة اقتراح وليس قوة احتجاج فحسب، الأمر الذي يجعله شريكاً فعّالاً للدولة في توسيع وتعزيز دائرة المواطنة العضوية وتأمين شروط استمرارها، لا سيّما إذا تحولّت الدولة من حامية إلى راعية، مرتقية السلم المجتمعي والأمن الإنساني، خصوصاً بوجود مؤسسات ترعى المواطنة كإطار، والمواطن كإنسان في ظلّ الحق والعدل.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق