منذ تسعينيات القرن الماضي وزقورة اور على موعد مع زيارة راعي الفاتيكان، بابا المسيحية في العالم ليعيد مسيره على وقع خطوات إبراهيم ابي الأنبياء عليه السلام.

وإذ تأتي هذه الزيارة في ظروف عراقية عصيبة ناهيك عن ظرف دولي يواجه جائحة كورونا وازمات اقتصادية فضلا عما خلفته العولمة من أزمات ثقافية واخلاقية، تجعل العودة الى الينبوع مثالا يحتذى في احترام التنوع الثقافي ونموذجا لحوار الأديان فالزيارة بحد ذاتها ترسيخ لهذه القيم الحضارية، وتؤكد على ان المسيحية في عراق الامس وعراق الغد لا يمكن ان تتطابق مع ظروف اليوم، فهذا الظرف العصيب على أهلنا المسيحين الذين فضل اكثرهم الهجرة على البقاء في الوطن، تعني لهم هذه الزيارة ان الأصل باق ما دام في العرق نبض يؤكد عراقتيهم.

كما سيكون لزيارة البابا الى حاضرة النجف الاشرف واللقاء بالمرجع الأعلى اية الله السيد السيستاني، ايقونة الربع الأول من القرن الحادي والعشرين بما يزيل الكثير من الشبهات الفكرية عن صراع او تصادم الحضارات وطي صفحتها لتبدأ صفحة متجددة من حوار الحضارات فالصلوات لرب واحد واحترام إنسانية الانسان فهو نظير في الخلق او اخ في الدين، تمنح هذا اللقاء عبق التاريخ الزاخر بالفكر الإنساني، المتشح بسواد آثام الحروب، المطلوب ازالتها في أفعال متجددة تظهر العمق الحضاري المكنون لسلوك انساني متجدد، يستلهم قيم الحضارات ويتماهى مع قيم التطور في الذكاء الصناعي، ومن دون وجود هذا العمق الحضاري يصبح هذا الذكاء مجرد خواء بلا روح.

لست بصدد توقع ما يمكن ان يكون في ذلك الحوار بين بابا الفاتيكان والمرجعية الدينية العليا في النجف الاشرف، لكني أتمنى ان يعلن في بيان هذا اللقاء ان الإنسانية اكبر من كل مظاهر الاختلاف، وان الحوار وحده مصدر للمعرفة وإدارة المصالح في كل بقاع الأرض، وإمكانية ان تتوالى مظاهر الحوار في نشاطات فكرية معرفية مقبلة، ترسخ قيمة النتائج عبر برامج مجتمعية تستنهض قمة الأداء المعرفي في الحد من هموم عراقية وإقليمية ودولية، فروح اللقاء خاصة والزيارة ككل، تتطلب مثل هذا الانفتاح الإنساني وليس التوقف عند بروتوكول الزيارة فحسب.

واي قراءة لمستقبل العراق والمنطقة ما بعد هذه الزيارة يتطلب إعادة تقييم بمنهجية مختلفة للعلاقات بين الديانات الابراهيمية بما يرسخ القناعة بضرورة حل المسالة الفلسطينية حلا عادلا يعيد لشعبها من المسلمين والمسيحين حقوقهم في ارضهم على دولتهم المستقلة، من اجل انطلاق درب الايمان والتقوى في سياحة دينية مخلصة لقيم الله رب الجميع من ارض اور، مهد الحضارات ومستقر ابي الأنبياء نحو بقاع القدس الشريف وكنائس المهد في مدن فلسطين ربوع طفولة يسوع المسيح عليه السلام، عندها تستقبل أفواج الحجاج المسيحين في ربوع العراق في هذه الأماكن الطاهرة لعل وعسى تكون لهذه السياحة الدينية ما يجعل قصب الاهوار العراقية يتغزل بالقادمين كزوار وليس لأي اهداف أخرى، وترحب بهم رمال السهول العراقية وهي تنهل من عبق تاريخ اور ومعابدها وبيت خليل الله عليه السلام.

يضاف الى ذلك، ان هذا الاستنهاض العميق لتاريخ العراق واستنطاق حضارته، ستجعل من زيارة بابا الفاتيكان علامة فارقة في القرن الحادي والعشرين، بان هذا الوطن متعدد الاثنيات، متعدد الأعراق، باق ما بقي الدهر، حين يكون سلوك الانسان فيه متحضرا، قابلا للاختلاف، باحثا عن حق الاخر، معارضا للظلم، هذا السلوك الحضاري الذي يتطلب ان يكون عليه كل عراقي، وهو يشاهد الحبر الأعظم يصلي على ارضه، لعل وعسى تنتهي ملهاة المأساة عن المظلومية عبر أربعة عشر قرنا مضت، فالحوار مع الغير يتطلب أولا الحوار مع الذات، وهو حوار طال انتظاره، يبقى من القول لله في خلقه شؤون!

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق