من حق الصحفيين اليوم ان يحتفلوا بالعيد السنوي للصحافة العراقية.. وان يتفاخروا امام جميع صحفيي العالم بأنهم انجزوا اعلاما مميزا، حرا، ومؤثرا، وانهم تجاوزوا تلك المراحل السوداء التي انعدمت فيها الصحافة في العراق، فلا نرى إلا صحافة السلطة ممثلة بـ(اربع صحف) تحمل الاخبار نفسها، والصور نفسها، والاعمدة نفسها.. والتي تمجد القائد الضرورة، وتسبح بحمده وتدعوا الى طاعته وبيعته الدائمة،..

عندما كنا نقرأ عمودا فيه رأي جريء في احدى الصحف المحلية يتناول شأنا داخليا او يبدي وجهة نظر في قضية ما.. تـُثار امامنا مجموعة اسئلة.. ترى كيف كتب هذا الصحفي هذا الرأي ؟، وما سيكون مصيره ؟.. وكيف سمح رئيس التحرير "المُنتقى بعناية" مرور مثل هذا الرأي ؟.. بل حتى مصير رئيس التحرير لم يكن مأمونا في مثل هذه الحالة.. لذلك لانجد امامنا الا تفسيرا واحدا، وهو "التوجيه" من فوق بكتابة عمود بهذا الاسلوب لإيهام الناس بأن لدينا صحافة ديمقراطية.. وهذا عادة نادرا مايحصل، لم نطلع آنذاك على صحيفة حزبية او مستقلة.. ولم نعرف وسيلة اخرى تغرد خارج سرب الموظفين الصحفيين الذين يتسلمون توجيهاتهم من رئيس التحرير او ضابط الامن.. وهؤلاء يتسلمون التوجيهات من المكتب الصحفي لرئيس الجمهورية، القائد العام للقوات المسلحة، رئيس البرلمان، رئيس المجلس الاعلى للقضاء، رئيس محكمة الثورة سيئة الصيت والسمعة..الخ..الخ.

لذلك لم يكن لصحافتنا في العراق طعم، ولا لون، ولا رائحة.. يستثنى من ذلك الصحافة الثقافية التي طالما حاول كتابها تضمين أفكارهم بين السطور.. بما لاتستطيع السلطات الرقابية كشفه. وإزاء هذا الواقع نستطيع ان نقول ان لا صحافة في العراق زمن الدكتاتورية البغيض.. واقصد بذلك جميع انواع الصحافة المرئية والمسموعة والمقروءة.. أما الصحافة الالكترونية فانها ممنوعة منعا باتا، بسب ماتخلقه من بلبلة ووجع رأس للسلطات.

حتى اذا مضت تلك الحقبة السوداء، وحصل التغيير، اطلت علينا اسماء وعناوين لصحف لم نسمع بها من قبل.. وبعضها مانزل الله بها من سلطان.. وهي حرة ومستقلة.. وغير مرتبطة بأية سلطات.. وانتشرت هذه الصحف لدى الباعة، وبين أيدي الناس، وتعددت بعد ذلك العناوين والاسماء.. وتولدت الحيرة.. اي الصحف نقرأ، وضاع علينا الخيط والعصفور، فلا نكاد نمسك بالطرف الاول من الخيط حتى يظهر لنا عصفور آخر بألوان جديدة.. فبدل الصحف الاربع، بدأنا نطلع على (40) صحيفة.. وتضاعف هذا العدد ليصبح (80) صحيفة.. وكبر مرة اخرى ليكون (120) صحيفة.. قسم منها دولي يصدر في بغداد وعواصم اخرى.. وهكذا كبر عدد الاذاعات.. وانتشرت في بيوتنا ومقاهينا فضائيات تبث برامجها من اقصى العالم.

وصرنا نتابع اخبار واحداث القارات السبع، وبسبب هذا العدد الكبير من وسائل الاعلام، برزت الحاجة الى صحفيين واعلاميين جدد، فدخل المهنة من أُعجب بها، ومن تولع.. ومن توسل، لانه لايملك وسيلة اخرى للعيش.. وافتتحت الكليات اقساما جديدة للاعلام.. بعد ان كانت مقتصرة على قسم واحد في كلية الآداب جامعة بغداد.. وهو غير مرغوب به لانه "ميوكل خبز".. وقد شمل التطوير هذا القسم ليصبح كلية للاعلام، وهي الاولى في العراق.. وباختصاصات مختلفة، وبدأ الشارع يموج باعدا الصحفيين والاعلاميين العراقيين.. وكامراتهم تجوب الشوارع والساحات.. تبحث عن رأي حر للمواطن الذي تفاعل مع الوضع الجديد ولم يعد يخشى السلطات وقائمة الممنوعات.. وظهر لدينا محللون سياسيون من الدرجة الاولى بعد ان كنا نفتقد لأمثالهم.. ونفتح افواهنا اعجابا باي محلل عربي نستمع له، واقول نستمع، لاننا لانرى ولا نشاهد.. فذلك ممنوع، وتقنية "الستلايت" لم تدخل بيوتنا آنذاك خوفا علينا من القائد الضرورة، كي لاتفسد اخلاقنا.. ونطّلع على الافكار الهدامة.

واليوم لدينا اكثر من (30) فضائية محلية تدار من القطاع الخاص.. وتمول من مصادر معلومة وغير معلومة.. وتكاد الفضائية الحكومية الوحيدة، او بشكل ادق الممولة من الحكومة. هذه الفضائيات تسبح في فضاء واسع فيه مختلف الاراء والتوجهات.. فمرة دينية، واخرى علمانية، وثالثة حزبية، ورابعة تقول انها مستقلة، وخامسة معارضة، وسادسة معادية، واخرى داعمة للارهاب والارهابيين.. وتبث انجازاتهم في تدمير العراق وقتل العراقيين.

تحية عطرة لجميع صحفيي العراق.. وتحية لصحافتنا العراقية.. والرحمة لشهداء الصحافة في كل مكان وزمان.

رواد الصحافة العراقية

جميل ان يكون هذا تقليداً سنوياً، عندما نحتفي بعيد الصحافة العراقية نستذكر رواد الصحافة الذين كان لهم السبق في تأسيس المهنة اواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.. ولعل الخامس عشر من حزيران 1869 كان ايذانا بإصدار اول صحيفة عراقية.. هي "الزوراء" فأرخت تلك الصحيفة لهذا الفن النبيل.. وكان لبدايات هذه الصحافة رواد وصحف درست، ودرست اسماء محرريها ومؤسسيها.. الا ان المؤرخين للصحافة العراقية اخذوا يلملون اشلاء ما تناثر من معلومات هنا وهناك ليحفظوها للأجيال اللاحقة والتاريخ. فلا يعقل ان يكون بلد مثل العراق وهو الكبير في كل شيء خالياً من الصحافة، او انه جديد عهد بها.

لذلك فان المطلع على الصحافة العراقية في بداياتها الاولى يلمس حجم النهضة التي بدأت في تلك الحقبة من التأريخ، واعداد الصحف والصحفيين، حيث صدرت آنذاك 69 صحيفة.. ولذلك لا بد من الوقوف على اسماء بعض هؤلاء وما قدموه وما اسسوه من صحف ومجلات كانت محط اندهاش العراقيين. حيث اصبح لزاما علينا ان نجعل شأنا لعلي جميل، وابراهيم حلمي، وبولينا حسون، وسامي خونده، وسليم البصون، وعبد الغفور البدري، وهبة الدين الشهرستاني، ومريم نرمه، ومنشي زعرور، وميخائيل تيسي.. وغيرهم الكثير كونهم الرعيل الذي اخذ على عاتقه صناعة الصحافة العراقية بدايات القرن العشرين.

كما ان الاهمية الكبيرة لصحف صدرت قبل (100) عام. وما تلاها مثل صدى الجمهور، ومجلة ليلى، وجريدة الرافدين، وجريدة الشهاب، ومجلة فتاة العراق، وصحيفة كناس الشوارع، وصحيفة العراق، ومجلة العلم، وصحيفة الاستقلال.. وغيرها الكثير. ولان مساحة هذا العمود لا تتسع لكثير من التفاصيل سنعمد الى ذكر بعضها على سبيل التذكرة لاغير، واسهاماً منا في احياء عيد الصحافة العراقية. فعلي الجميل مثلا رجل قلم وسياسة وفكر وصحافة واقتصاد.. وقد عـُد من المع الصحفيين والادباء العراقيين المحدثين، ومن اشهر شخصيات الموصل ابان عشرينات القرن الماضي، اصدر صحيفة "صدى الجمهور" التي تعتبر واحدة من اهم الصحف العراقية، التي صدرت في الموصل عام 1927 لقد كانت صدى الجمهور صحيفة يومية سياسية ادبية اخلاقية عامة..

فيما يعد ابراهيم حلمي من الرعيل الاول للصحافة العراقية مطلع القرن الماضي، وقد حاز قسطاً وافراً من الادب، جمع بين الادب والصحافة، واسهم في تحرير المقالات الادبية وكتابة البحوث القيمة.. فتهيأت له الفرصة لتأسس صحيفتين في اوقات متفاوتة.. ولد ابراهيم حلمي في بغداد سنة 1890 وفي الثامنة عشر من عمره دخل الصحافة وخاصةً بعد اعلان الدستور العثماني سنة 1908 الذي اطلق الحريات فسارع البعض الى اصدار الصحف والمجلات ومن اشهرها مجلة "العلم" التي اصدرها العلامة محمد علي هبة الدين الشهرستاني و"مجلة تنوير الافكار" للسيد عبد الهادي الاعظمي.. و"لغة العرب" التي اصدرها انستاس الكرملي ومجلة "الحياة" التي اصدرها سليمان الدخيل وابراهيم حلمي.. وقد اصدر الاثنان فيما بعد جريدة "الرياض".. اما بولينا حسون فهي احدى رائدات الصحافة العراقية حيث قامت في الخامس عشر من شهر تشرين الاول عام 1923 بإصدار مجلة "ليلى" النسائية وبولينا حسون تعد من رائدات الصحافة النسائية في العراق وقد جاء في كتاب اعلام الصحافة في الوطن العربي وفي المبحث الخاص الذي كتبه عن صحافة العراق الاساتذة الدكتور قيس عبد الحسين الياسري والدكتور خالد الراوي والدكتور هاشم حمادي والاستاذ سجاد الغازي، ان بولينا حسون عملت في الصحافة بظروف بالغة الصعوبة ولم تقتصر مجلة ليلى التي اصدرتها، على شؤون المرأة وانما تعدت ذلك عندما افسحت المجال لصفحاتها لتناول موضوعات ذات صلة بأوضاع العراق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية..

وسامي عبد الله خوندة الذي ولد عام 1900 بمحلة جديد حسن باشا ببغداد وهو والاستاذ سلمان الصفواني يشكلان اعمدة من جيل العشرينيات لرصيد الصحافة العراقية باعتبار ان الاول اصدر جريدة "الرافدين" اليومية السياسية عام 1921 وكان الثاني المدير المسؤول ورئيس التحرير في جريدة "المعارف" الاسبوعية لصاحبها عبد الله حافظ التي صدرت في الكاظمية الثالث من ايلول 1926.. وهناك كثير من الشخصيات اليهودية العراقية التي تركت اثرا واضحا في المجتمع العراقي، وكان لها دور كبير ذو مساس حقيقي مرتبط ببقية افراد المجتمع العراقي في مجالات مختلفة كالطب والفكر والادب والصحافة..

ويعد سليم البصون رائدا من رواد الصحافة العراقية ولد عام 1972 وتولى اصدار جريدة الاستقلال على حسابه الخاص، وكان صاحبها طه لطفي البدري الذي ورثها عن ابن اخيه عبد الغفور البدري وقد اشرف على تحريرها وادارتها.. حيث استطاع عبد الغفور البدري وهو ضابط عراقي الحصول على امتياز اصدار جريدة "الاستقلال" وقد صدر العدد الاول منها في 28ايلول 1920.. و تولى رئاسة تحريرها السيد قاسم العلوي في حين تكونت اسرة التحرير من علي محمود الشيخ علي وطالب مشتاق ومهدي البصير وسامي خونده ورشيد الصوفي وعدي بكر صدقي وحسين الرحال ومصطفى علي وباقر الشبيبي وسلمان الشيخ داود واحمد جمال الدين وفهمي المدرس وعبد اللطيف حبيب وخيري عماد وغيرهم..

ولابد من ذكر رائدة الصحافة العراقية مريم نرمة حيث ذكرت المرحومة صبيحة الشيخ داود في كتابها ((اول الطريق)) ان السيدة نرمة اصدرت مجلة فتاة العرب في 6 ايار 1937 وهي (مجلة ادبية نسائية اجتماعية غايتها خدمة الفتاة العراقية) وكانت السيدة من اوائل الكاتبات اللواتي ساهمن في معالجة الشؤون الاخلاقية والاجتماعية عن طريق الصحافة. الى ذلك فان البعض عد (منشي زعرور) الذي ولد ببغداد عام 1897 وعمل منذ صباه في المطابع الاهلية (الجندي المجهول) في تاريخ الصحافة العراقية. ولم يذكره مؤرخو الصحافة المتأخرون لأسباب لاتمت بصلة الى الموضوعية والانصاف، وضاعت اخباره كما ضاعت وثائق البحث عنه وعن غيره.. واخيرا ناتي على ذكر ميخائيل تيسي وصحيفة "كناس الشوارع" ذائعة الصيت. فقد ولد عام 1895م وهو واحد من اولئك الصحفيين الذين سخروا الاسلوب الهزلي الساخر لنقد لاذع هادف وقد اصدر صحيفة بالاسم نفسه في الاول من نيسان 1925.. يصفها الاستاذ فائق بطي بكتابه (الموسوعة الصحفية العراقية) بانها من الصحف المهمة في تاريخ الصحافة التي اتجهت الى الفكاهة والهزل والحديث يطول. تحية حب للصحافة العراقية في الذكرى (146) لتأسيسها.. وألف تحية لكل صحفي عراقي حر، وقلم شريف.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0