آراء وافكار - مقالات الكتاب

والله حيرة

أخيرا وبعد ما‮ ‬يقرب ثلاثة عقود‮‬،‮ ‬استجابت ادارة محافظة ديالى لمطالب الاسرة الصحفية التي‮ ‬بح صوتها وهي‮ ‬تصرخ بضرورة صيانة المباني‮ ‬التراثية بوصفها هوية وارثا تاريخيا ومرفقا سياحيا‮،‮ ‬لكن حسا بذلك لم نتلمسه على الاطلاق لدى من بيدهم اتخاذ القرار الذين توسلنا بهم للعناية ببناية السراي‮ ‬لكونها أقدم بناية في‮ ‬بعقوبة‮‬،‮ ‬ويعود تاريخها الى العهد العثماني‮‬،‮ ‬ويبلغ‮ ‬عمرها ما‮ ‬يقرب القرنين وبعضهم‮ ‬يقول ثلاثة‮‬،‮ ‬وكأن صاحب فكرة الصيانة‮ ‬يطلب شأنا شخصيا‮،‮ ‬ومن‮ ‬يجامله في‮ ‬ذلك كأنه متفضل عليه‮،‮ ‬فيصمت ولا‮ ‬يطرق الموضوع ثانية على مسامعه‮،‮ ‬فيلوذ بوسائل الاعلام وهي‮ ‬أضعف الايمان‮‬،‮ ‬حتى استهلكت بوابة البناية وانهارت جدرانها وتهدمت سلالمها من الاستخدام‮ ‬غير الرشيد‮،‮ ‬فلا وزارة الثقافة في‮ ‬الزمن الغابر أولتها اهتماما‮‬،‮ ‬ولا هيئة السياحة التي‮ ‬وفقها الله فصارت وزارة فكرت باستثمارها مع ان الجميع‮ ‬يتفنن بالحديث عن تعظيم موارد الدولة‮‬،‮ ‬وزادت الظروف الأمنية السيئة والأعمال الارهابية المجرمة ابان السنوات السود‮ ( ‬الطين بله‮) ‬كما‮ ‬يُقال‮.‬

‮‬ومع كل ما مر بها من مآس‮،‮ ‬ظلت السراي‮ ‬حضنا لا بديل عنه لكل الفعاليات الأدبية والاعلامية والفنية‮، ‬ومقرا لكل منظمة مفلسة لا‮ ‬يستفيد منها رجال الضوء او الظل‮، ‬ولم‮ ‬يكن بوسع أحد من شاغليها أن‮ ‬يرممها‮، ‬وهذا ليس بالجديد على العراق‮، ‬فالفن والأدب والثقافة ليس من شواغل صانع القرار بقدر انشغاله بتلك الفعاليات التي‮ ‬يسيل لها اللعاب‮، ‬والأسباب التي‮ ‬يوردها المسؤولون شتى منها‮: ‬انها تابعة لوزارة الثقافة‮، ‬وليس لها باب في‮ ‬ميزانية المحافظة‮، ‬ولا‮ ‬يستطيع المحافظ انفاق أموال على صيانة هكذا مرافق‮، ‬هذا كلام سمعناه منذ مدة ليست بالقصيرة عندما كانت البناية مهملة وفارغة‮، ‬لكن المطالبات بصيانتها تعالت أكثر عندما اتخذت البناية مقرا لأول جريدة تتأسس في‮ ‬ديالى عام‮ ‬2001‮ ‬فنُشرت عنها تحقيقات تلو اخرى معززة بصور جمعية المصورين التي‮ ‬دار بها الزمان لتتجاور مع الجريدة الى جانب اتحاد الأدباء‮، ‬وجمعيتي‮ ‬المقام العراقي‮، ‬والصم والبكم‮، ‬وغيرها‮ .‬

وبرغم‮ ‬يأسنا من امكانية الاستجابة لطلب الاسرة الصحفية‮، ‬والتطرق لها جاء من باب اسقاط الفرض‮، ‬لكن السيد المحافظ مثنى التميمي‮ ‬فاجأنا على عكس توقعاتنا المبنية على خبرة سابقة‮، ‬ففي‮ ‬غضون دقائق استدعى مسؤول المالية ليسأله عن حدود امكانياتهم‮، ‬وانتهى الى تخصيص مبلغ‮ ‬مالي‮ ‬لصيانة البناية‮، ‬وهذا أول مبلغ‮ ‬مالي‮ ‬تخصصه المحافظة منذ ما‮ ‬يقرب نصف قرن لدار الحكومة كما تسمى‮، ‬فشكرا للسيد المحافظ‮.‬

قبل سنوات زرت مدينة بابل الأثرية ومن حسن الصدف أن‮ ‬يكون موجودا في‮ ‬هذه الجولة مدير اعلام المحافظة وصديقي‮ ‬الناطق السابق لوزارة الثقافة الاستاذ عمران جاسم‮، ‬وتحدثنا عن الواقع المزري‮ ‬للمدينة التي‮ ‬تشكل زيارتها حلما للكثير من المتخصصين بالآثار في‮ ‬العالم‮، ‬وعند معاتبتهما على اهمالها انبرى كل منهما بإلقاء اللوم على الدولة‮، ‬وكأن المحافظة والوزارة تقعان خارج نطاقها‮، ‬فمدير اعلام المحافظة قال: ‬‬ان عائديتها لوزارة الثقافة‮، ‬وتقع عليها مسؤولية صيانتها وتخصيص المبالغ‮ ‬اللازمة للارتقاء بها‮، ‬فالتفّتُ‮ ‬الى الناطق باسم الوزارة فقال‮:‬ ‬ليس بوسع الوزارة الانفاق لقلة التخصيصات‮، ‬فأجبته انفقوا من وارداتها عليها‮، ‬أي‮ ‬من رسوم الدخولية وايجارات المستثمرين‮، ‬فأجاب‮: ‬هذه الأموال تحسب لخزينة الدولة ولا‮ ‬يحق للوزارة التصرف بها‮، ‬فسألتهما كيف نطور المدينة اذا‮، ‬فأجابني‮ ‬الاثنان‮ (لا ندري‮)، ‬فقلت مع نفسي‮ (‬والله حيرة‮)، ‬وهي‮ ‬ذات الحيرة التي‮ ‬لازمت زميلي‮ ‬الدكتور مهدي‮ ‬صالح دواي‮ ‬الذي‮ ‬كلفته رئاسة جامعة ديالى بمرافقة وفد فرنسي‮ ‬لزيارة آثار بابل في‮ ‬يوم قائض‮، ‬وعندما طلب الوفد ماء للشرب ظل حائرا‮، ‬فالمدينة وقتها خالية من الخدمات تماما ؟‮ . ‬

في‮ ‬هذه اللحظة تذكرت طابورا من السياح العرب‮ ‬ينتظرون فرصتهم للتصوير في‮ ‬مقهى اسطنبولي‮ ‬معامل سياحيا‮، ‬كان مهند ونور قد صورا فيه مشهدا في‮ ‬مسلسل العشق الممنوع‮.‬

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق