تعود فكرة مقترح إقرار الدوائر الانتخابية المتعددة بدل الدائرة الانتخابية الواحدة إلى إشكاليات طريقة سانت ليغو التي أجريت بموجبها الانتخابات النيابية والمحلية السابقة، حيث كانت هذه الطريقة تنص على الدائرة الانتخابية الواحدة لكل محافظة، مما كان يسهل للأحزاب والكتل السياسية الهيمنة على السلطة التشريعية وبالتالي الوصول إلى المحاصصة على مستوى السلطة التنفيذية، كون أن النظام السياسي في العراق برلماني والسلطة التنفيذية يصوت عليها من قبل مجلس النواب، وهنا الكتل لا تعطي شيئا بالمجان وإنما في قبالة المصالح والامتيازات والمناصب بدءا من رئيس شعبة والمدراء إلى الوزراء ورئيس الوزراء، وقد تجري في ذلك صفقات فساد كبرى تصل إلى بيع وشراء وتنازل عن القضايا الوطنية وخذلان المواطن عندما قرر المشاركة في الانتخابات من أجل التغيير نحو الأفضل.

وبعد الضغط الشعبي الاحتجاجي مطلع تشرين الثاني من العام الماضي والذي هو الأكبر من نوعه في العراق بعد عام 2003 الناقم على هذه المحاصصة والمطالب بإقرار قانون انتخابي جديد يقوم على أساس الانتخاب الفردي، والدوائر المتعددة صوتت الكتل السياسية في مجلس النواب مجبرة على ما ورد في مادته الثالثة عشر على إقرار الدوائر الانتخابية المتعددة، ولغرض تسويف الأمر هذا، أجلت آلية توزيع الدوائر إلى وقت لاحق.

ومع إعلان رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في حزيران الماضي عن نيته إجراء الانتخابات في وقت مبكر وبحدود السادس من نسيان من عام 2021 مطالبا مجلس النواب بإكمال باقي متطلبات القانون الانتخابي، عادت الكتل السياسية في مجلس النواب هذه الأيام تثير الجدل حول حدود الدوائر المتعددة لكل محافظة، أي تطرح تقسيمات متعددة لحسابات حزبية وسياسية، تخشى أن تؤدي الدوائر المتعددة أي توزيع الدوائر على عدد المقاعد المخصصة للمحافظة، وعليه أن الكتل السياسية لا تريد أن تغادر مرحلة الهيمنة على مجلس النواب وبالتالي الهيمنة على الدولة، من هنا تطرح نفس هذه الكتل ثلاثة محاور بشأن جدول توزيع الدوائر الانتخابية:

المحور الأول: توزيع المحافظة إلى دوائر وحسب المقاعد المخصصة لها بموجب القانون

يذهب هذا المقترح إلى توزيع المحافظة إلى دوائر متعددة وحسب المقاعد المخصصة لها، أي أن المحافظة إذا كان عدد مقاعدها (12) مقعد فإنها ستكون بموجب هذا المقترح إلى (12) دائرة انتخابية، وهذا المقترح يعتبر الخيار الأفضل لغالبية المراقبين والخبراء في شؤون الانتخابات لأنه سيوفر حظوظ أعلى للمستقلين وقد يساهم بصعود وجوه عشائرية، وهذا الإسهام قد يعد سلبية لكنه من دون شك سينهي هيمنة الكتل الحزبية والمجموعات السياسية والعسكرية على مجلس النواب.

وهذا المقترح يعد الأفضل مثلما ذكرنا، وقد نص عليها قانون الانتخابات الذي اقر في نهاية عام 2019 على وقع الاحتجاجات الشعبية، وأجل آلية تقسيم الدوائر إلى وقت لاحق، ويبدو أن عدد كبير من الكتل السياسية الممثلة الآن في مجلس النواب غير جادة في تقسيم المحافظات إلى دوائر متعددة حسب هذا المقترح وقد يكون بالنسبة لها مستحيلا، وتبدو كتلة سائرون التابعة للتيار الصدري هي الوحيدة المتحمسة لهذا المقترح لأسباب تتعلق ربما بقواعد التيار في أغلب المناطق لاسيما الشعبية منها.

المحور الثاني: التقسيم الوسطي (تقسم المحافظة إلى دائرتين أو ثلاثة أو حتى أربعة دوائر انتخابية)

وهو محور وسطي مع أن تكون المحافظة دائرتين أو ثلاثة دوائر للمحافظات الكبيرة، لا أكثر أي أن المحافظة تقسم إلى ثلاثة دوائر وترسم مناطقها إلى ثلاثة دوائر لكل دائرة عدد محدد من المقاعد فإذا كانت عدد المقاعد (9) فأنه سيكون لكل دائرة انتخابية 3 مقاعد، وإذا كانت مقاعد محافظة النجف الأشرف على سبيل المثال (12) فإنها ستكون ثلاثة دوائر لكل دائرة (4) مقاعد وهكذا، تبدو أغلب الكتل لاسيما الشيعية منها رغبتها بهذا المقترح لأنه سيحفظ لها هيمنتها في مجلس النواب لانتشار جمهورها بصورة متناثرة.

المحور الثالث: الإبقاء على المحافظة دائرة انتخابية واحدة

وهذا المحور أخذ يتبلور بشكل أوسع وتداولته الكتل المكوناتية التقليدية النافذة داخل البرلمان، بالعودة إلى دائرة واحدة لكل محافظة، ويبرر البعض أن الدائرة الواحدة خيار أفضل بسبب صعوبة تقسيم المحافظة إلى دوائر متعددة، معللين ذلك بعدم وجود قاعدة بيانات رصينة تضمن تقسيم المحافظة إلى دوائر، وبعض المقترحات المتداولة واجهت ردود فعل سلبية سياسيا وشعبيا، والبعض عدها استهدافا سياسيا وطائفيا، وهذا ما أشار إليه نواب من كتلة القانون معدين من أن الدوائر المتعددة سيذهب بعدد من مقاعد مجلس النواب إلى كتل طائفية أخرى وبالتحديد في المحافظات المختلطة كبغداد، وكركوك.

ومما تقدم تبدو الخيارات الوطنية القاضية بوضع النظام السياسي العراقي الذي مزقته المحاصصة والفساد وتغول الأحزاب والكتل السياسية على مؤسسات الدولة، تبدو مع إقرار المحور الأول الناص بتعدد الدوائر الانتخابية لكل محافظة، وبقدر أهمية هذا التقسيم إذ أنه يساهم في تغيير الطبقة السياسية الفاسدة الممثلة في مجلس النواب، ويساهم في صعود وجوه جديدة، فانه يواجه عقبة كيفية تقسيم الدوائر في ظل عدم امتلاك الدولة لإحصائيات دقيقة لكل منطقة وقضاء وحسب ما اقره الدستور العراقي النافذ لعام 2005 والذي ذهب إلى أن التمثيل النيابي لكل مقعد 100,000 ناخب مسجل.

أما خياري محوري الثاني والثالث فهو حل وسط لكنه غير مجد لكونه لا يختلف كثيرا عن الدائرة الواحدة، وهذه الأخيرة لا أريد الحديث عنها هنا لأنه سبق وأن جربها الجمهور الشعبي في كل الانتخابات البرلمانية والمحلية السابقة.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001– 2020Ⓒ
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

18