هل وصل (الربيع العربي) لأهدافه المرسومة؟! نعتقد ان الاجابة على هذا السؤال، تستدعي معرفة الاهداف اولا، وبما اننا لم نكن في الغرف المغلقة التي تم فيها التخطيط لهذا الزلزال، لذا فإننا سنقرأ رحلة الخراب هذه من خلال معطياتها، اهداف (الربيع العربي) كانت ابعد بكثير مما حصل، وفي مقدمتها اعادة رسم خرائط اكثر من دولة عربية، ان لم تكن الخرائط السياسية فالخرائط الاجتماعية، اي اعادة بناء الدول التي شهدت الاحداث، على اسس جديدة، باسم الفيدراليات وشكل انظمة الحكم التي يجب ان تكون محل صراع دائم بين (المكونات) لتقف السلطات القادمة على كراس واهنة، ووسط خرائط اجتماعية ممزقة، او عبارة عن كانتونات عاجزة عن ادارة نفسها بسبب تفتت المصادر الاقتصادية والنزاع على الحدود الادارية.

بدأت اللعبة من العراق الذي اريد له بعد الاحتلال ان يتمزق على هذا الاساس، لكن الرفض الشعبي الواسع وموقف بعض القوى السياسية، حال دون حصوله، الاحداث في سوريا، كانت بمثابة الشروع الحقيقي في تقسيم المنطقة كلها وليس سوريا والعراق فقط، ولهذا صنعت (داعش) التي نمت وترعرعت في احضان المخابرات الدولية المؤثرة وامام اعينها، تماما كما دخلت غرب العراق امام اعينها ايضا، واقامت دولة الخلافة المزعومة التي اريد لها ان تكرّس واقع الانفصال وتثبّت خرائط التقسيم، الهبّة الشعبية في العراق وتطوع مئات الالاف من المقاتلين بظرف زمني قصير، والتدخل الدولي المضاد لهذا المشروع وتوحد الجهد الاقليمي، بعد ان استشعرت كل من تركيا وايران خطورته على بلديهما، اسهم في اجهاض هذا المشروع الذي لو مضى الى نهايته، او فشل العراقيون في دحر داعش، لكان وجه المنطقة الان مختلفا تماما.

لقد دفع هذا الانتصار، غير المتوقع، من وقفوا وراء هذه اللعبة، لان يغيروا تكتيكاتهم في المنطقة او يؤجلوا المشروع، بعد ان بات تنفيذه الان مستبعدا، لاسيما ان هناك قوى دولية، رأت ان ما سيحصل في الشرق الاوسط من تغييرات مصنّعة، سيكون على حساب مصالحها ، والمقصود هنا تحديدا روسيا والصين وبعض الدول الاوربية، لتبدأ رحلة جديدة من الصراع على النفوذ والمصالح، لكن باسلوب جديد وشعارات جديدة، ولسبب بسيط جدا، هو ان اللعبة القديمة انكشفت وسقطت، ليس فقط على الارض بل في نفوس الناس الذين اندفع اغلبهم للاحتجاج السلمي، تحت ضغط واقع اقتصادي بائس وشعارات الديمقراطية والحرية وغيرها، ليزج وسط هذا الضجيج والفوضى بالتنظيمات الارهابية التي تم جلبها تحت عناوين (جهادية)، ودعمت بالمال والسلاح، لترافق هذه الحفلة الدموية وتتصدرها .. اليوم اصبحت هذه التنظيمات تعاني من شحة الموارد البشرية، بسبب عزوف الشباب عنها، والاحباط الذي اصابها بعد ان عرفت انها نجحت فقط في تدمير الدول، وهو هدف من كانوا يقفون وراءها، وادركه فيما بعد الكثيرون ممن انخرطوا فيها مخدوعين.

الشيء الاهم من وجهة نظرنا، هو ان الشعوب العربية بشكل عام، تجاوزت صدمة (الربيع العربي) بعد ان انكشفت اللعبة، ما اعطاها مصلا مضادا لمثل هكذا الاعيب، وباتت اكثر وعيا ... ما حصل في مصر التي تخطت ازمة خطيرة، كادت تطيح بالدولة، ومايجري في تونس من تكرّس للدولة المدنية، ومايحصل في سوريا من انحسار للمد الاصولي ومحاصرته. ومايجري في ليبيا حيث العزل الواضح للقوى الارهابية، ونزوع الشعب لاسترداد الدولة. وانحسار النزعة الانفصالية في اليمن، وماحصل ويحصل في السودان من توجه للمدنية بعد الثورة، ناهيك عما حصل في العراق من تغيّر كبير في المزاج العام، ومثله في بقية الدول العربية التي ايقنت ان الاسلام السياسي ليس هو الحل الوحيد لمشاكلها .. كل هذه المعطيات تضعنا امام واقع ثقافي جديد، علينا ان نبشّر به.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

33