كان تأميم النفط الشرارةَ الأولى لإيقاظ العقل الغربي من سُبات تأجيل تدمير العراق، ولحظةً سياسيّةً فاصلةً لوقف عاصفة العراق، وتجاوزه الحدود الحمر، والبدء بالأفعال من خلال تحويل أفكار مراكز البحوث وعرابي السياسة الأمريكية إلى خطط لاحتواء العراق وتدميره. فتحولت أفكار هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية ( 1973-1977) وزبغنيو بريجينسكي مستشار الأمن القومي (1977-1981) إلى منهج تفكير استراتيجي في محو العراق من خلال تدميره من الداخل، وتفكيك بنيته المعرفية والاجتماعية، واحتوائه بافتعال الحروب والأزمات.

خلقت الحروب التقليديةُ مشكلاتٍ لأصحاب القرار في أمريكا، وأدخلتهم في نفق الصراعات الداخلية والمنافسات الانتخابية والإسقاط السياسي، ومعها ازداد تذمر المواطن الأمريكي بسبب الحروب الخارجية، مما جعل نمط التفكير الأمريكي يتحول منذ التسعينيات إلى فكرة جهنمية هي الاعتماد على فكرة (الإنهاك) و(التآكل البطيء)، بشقيه الوظيفي والتكنولوجي، تلك الفكرة المصنوعة في مراكز البحوث وعقول المفكرين، منذ أن بدأت (الفوضى الخلاقة) تصبح منهجاً لتفكيك الدول وتدميرها باستغلالها لوسائل الإعلام الحديثة، والتقنيات الرقمية، وحروب الجيل الرابع والخامس.

ما عاد الهدف هو تحطيم المؤسسة العسكرية للأمم، أو تدمير قدرتها العسكرية، بل الهدف هو إنهاك الأمم وتآكلها ببطء وثبات، كما يقول البروفسور (ماكس مانوارينج) خبير الاستراتيجية العسكرية في معهد الدراسات التابع لكلية الحرب الأمريكية.

الأخطر في هذه الخطة التي نراها اليوم واضحةً في مشهد العراق، هو تنفيذ التدمير على خطوات ببطء وهدوء، باستخدام محاربين محليين شريرين وعملاء، من نفس البلد! ليستيقظ المواطن بعد ذلك وهو ميتٌ بلا حراك!

وفلسفة التآكل البطيء يعنى الخراب المتدرج للمدن، وتحويل الناس إلى قطعان هائمة، وشل قدرة البلد على تلبية الحاجات الأساسية، وتحويل نقص هذه الحاجات إلى وجه آخر من وجوه الحرب، ونقل الحرب من جبهة إلى أخرى، ومن أرض إلى أخرى، واستنزاف كل قدرات الدولة على مراحلَ متباعدةٍ، وجعل الدولة تقاتل على جبهات متعددة، محاصَرةً بضباع محليين من كل الجهات، والتخطيط لتسخين جبهة، وتهدئة جبهة أخرى، أي استمرار إدارة الأزمة وليس حلها. وفي مثل هذا النوع من الحروب كما يقول الباحث، قد تشاهدون قتلى من الأطفال أو كبار السن، فلا تتأثروا ولا تنزعجوا!

في كتابهم الشهير (محو العراق: خطة متكاملة لاقتلاع عراق وزرع آخر)، يستخدم مايكل أوترمان وريتشارد هيل وبول ويلسون مصطلح (إبادة المجتمع) الذي استخدمه لأول مرة (كيت داوت) في كتابه (فهم الشر: دروس من البوسنة)، والذي ينطبق على عراق ما بعد عام 2003? أي تحطيم الدولة، انطلاقاً من الاستعانة بتجربة يوغسلافيا سابقاً، التي تحولت إلى ست دول لاحقاً، من خلال تفجير الكراهية التي استثمرها المخطط الأمريكي لتطبيقها على العراق، وتتلخص الخطة بأن لا يتم تدمير البيوت فحسب، بل تدمّر هيبة المنزل، ولا يتم قتل النساء والأطفال فحسب، بل المدينة أيضاً بطقوسها ومناهج حياتها، ولا تتم مهاجمة مجموعة من الناس فحسب، بل تاريخهم وذاكرتهم الجماعية، ولا يتم هدم النظام الاجتماعي فحسب بل هدم المجتمع نفسه. فالعنف في الحالة الأولى هو إبادة المنزل، وفي الثانية هو إبادة للمدينة، وفي الثالثة هو الإبادة الجماعية، وأخيراً إبادة المجتمع التي تتضمن تدمير: التضامن، الهوية، العائلة، المؤسسات الاجتماعية، وتدمير وعي الذات، كي يصبح الارتياب وسوء النية هما التوجُّهين السائدين لدى الناس!

ببساطة شديدة، تحويل العراق إلى مجتمع طوائفَ متصارعةٍ، وعشائرَ تتقاتل من أجل النفوذ والمال، وهدم قيم التضامن وعلاقات الجوار من خلال خلق الحواجز المادية والنفسية والدينية والقومية، وحرث روابط اللغة والتاريخ والقرابة والصداقة، وصعود منطق القوة والقتل والاغتيال كعلامة فارقة في الحياة، والأخطر انقلاب المقاييس، بحيث يصبح السارق حاكماً، والوطني منبوذاً ومتّهماً، مادام يرفض المشاركة في الوليمة العامة والنهب والفساد، والوزير السارق قدوة إدارية لإدارة الدولة، والسفير الجاهل سفيراً للأمية السياسية والمحاصصة، والعمالة للأجنبي وجاهةً ومحلَّ فخر، والأميُّ سيداً للمجتمع والحياة، وجعل الثقافة تنخرها الخرافة وهوس الموت من خلال وضع المثقف والعالم والمبتكر في غرف الإنعاش، لتدمير ذاكرة الوطن والتاريخ!

بالعربي الفصيح، رسم خريطة جديدة للعراق بالدم والجهل، لاقتلاع عراقٍ وزرعِ آخر، من خلال تحويل مجتمع السياسة والسلطة إلى عملاء ولصوص وقطاع طرق مرضى بتوحش المال والسلطة والقتل! وتحويل العراقي إلى سلطان للفقر والجوع والمرض، غريب الأهل والدار والتاريخ بهدف تحويله إلى جثة باردة متنقلة مسلوب الإرادة والقرار!

أعرف يقيناً من دروس التاريخ أن العراق لا ينمو صعودا إلا بالتحديات والمحن، فلم تجرده العواصف ولا النواصف من حيويته وشبابه وعطائه عبر التاريخ، وبقي صابراً وقويّاً، يختصر التاريخ بدائرته، ويضيء الأمم بعنفوانه، وأعرف أيضاً اليقين التاريخي بأنه مهما يبلغ الفقر بالعراقي، ومهما يثقل عليه البؤس والبلاء، ومهما يحاصره الضيق والمحن، فإن في فطرته شيئاً من صبر أيوب!

اعرف أيضا أن للتاريخ دورات زمانية متعاقبة ومتكررة للكون، ودورات للصعود والهبوط، لكن دورات العراق شامخة بأفعال الزمن المبهر، وبعمق المكان المتجدد، وبجيناته الأصيلة القادرة على التجدد والتحسن والارتقاء المتلبس بعناق الرافدين، لذلك يتوهم من يريد حرث ارض الأنبياء والأئمة والأديان، واقتلاع من علم البشرية الكتابة والقوانين، فلن تنال منه العاديات، ولن تصرعه قوى الشر الذي تحسب امتلاكه صار صرفا، وضيعة من ضيعاته الوهمية. هو المجد الذي (كل من فيه حفيد نبي). هو العراق الكبير الذي لا يغفو له جفن.. منذُ الأزل، لذلك الكل زائلون ألا أنت يافخامة العراق!

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

6