تثير خطوة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي تعيين عبد الحسين الهنداوي مستشارا له لشؤون الانتخابات تساؤلات عديدة حول جدية الحكومة الحالية باستكمال وتسريع إجراءات الانتخابات المبكرة في العراق، والتي تعد استحقاقاً ومطلبا شعبيا منذ اندلاع الاحتجاجات في أكتوبر من العام الماضي، كما تطرح هذه الخطوة تساؤلات تتعلق حول وجود رغبة سياسية بإجرائها أو تسريع وتيرة ذلك؟.

قد يفهم من خطوة الكاظمي أن هنالك نية وتوجه لإقامة الانتخابات النيابية المبكرة في العراق، لكن في ظل المعطيات والتحديات الراهنة لا يمكن التفاؤل حول إجرائها، ولا يمكن أن نجزم بوجود توجه سياسي يرحب وينسجم مع هذه الخطوة.

فهنالك تحديات عدة تصطدم بترجمة هذا التوجه وهذه الخطوة وأهمها عدم توفر المستلزمات الأساسية لإجراء تلك الانتخابات من غطاء قانوني يتعلق باستكمال تشريع ملاحق قانون انتخابات مجلس النواب الأخير، الذي لم يحسم لغاية الآن فيما يخص تقسيم الدوائر الانتخابية على مستوى الاقضية الذي يحتاج إلى حسم الحدود الإدارية لبعض المحافظات، وأيضا إلى تعداد سكاني، والتصويت على قانون المحكمة الاتحادية لإكمال نصابها لغرض المصادقة على نتائج الانتخابات، إضافة إلى استكمال هيكلية المفوضية العليا المستقلة للانتخابات الجديدة وتراكم الخبرة اللازمة لإجراء تلك الانتخابات بعد حل المفوضية السابقة من مجلس مفوضين ومدراء عامين ومكاتب وموظفين، فالقوى السياسية لازالت تتنافس على إشغال هذه المواقع في حين هذا يتعارض مع الأسباب الموجبة للانتخابات المبكرة المتعلقة بإنهاء الهيمنة الحزبية على الفضاء السياسي العمومي وإشراك القوى والنخب والكفاءات المستقلة، فضلا عن مسألة التمويل اللازمة لإجراء تلك الانتخابات، فلم تشرع موازنة عام ٢٠٢٠ في وقت يعاني العراق من أزمة مالية حقيقية جراء انخفاض أسعار النفط، وذهب إلى تشريع قانون للاقتراض المحلي والخارجي كبديل لمواجهة هذه الأزمة المتعلقة بتأمين دفع رواتب القطاع العام وانجاز بعض الاستحقاقات الاقتصادية والمالية للمشاريع والاستثمار والدرجات الوظيفية.

تراكم هذه التحديات لا تنسجم وإمكانية تسريع إجراء الانتخابات المبكرة، فتوفير الغطاء التشريعي يأخذ وقتا في إمكانية الوصول إلى حل للمتطلبات التي يستلزمها القانون وفق نطاق الدوائر الانتخابية على مستوى القضاء، كما أن الاتفاق على هيكلة مفوضية الانتخابات وتدريبيها أيضا يحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة داعمة، لذلك فضلا عن القدرة على التمويل فبالإمكان إقرار التمويل في موازنة ٢٠٢١ التي إذا ما أقرت في أفضل الظروف والمناخات ستنفذ في نيسان أو آيار من العام القادم، وفي الممارسات الانتخابية السابقة تحتاج المفوضية ستة أشهر بعد حصول التمويل للإعداد إلى تلك الانتخابات وإجراؤها، وهذا يعني إجراء الانتخابات سيكون بحلول شهر تشرين الثاني من العام ٢٠٢١، وهو توقيت لا يسبق كثيرا الاستحقاق الدستوري للانتخابات العامة للدورة الحالية التي من المفترض أن تجرى قبل شهر نيسان من العام ٢٠٢٢.

ولهذا لا يمكن اعتبار إجراء الانتخابات قبل موعدها الدستوري بثلاثة أو أربعة أشهر على أنها انتخابات مبكرة، يضاف إلى كل ذلك عوامل تسهم في إحباط الرهان على تسريع وتيرة هذه الانتخابات أهمها:

1- إنتشار جائحة كورونا التي استفحلت مؤخرا وأعادت الكثير في حسابات المواطن العراقي وأولوياته تجاه السياسة بشكل عام والانتخابات المبكرة بشكل خاص، فلم نعد نسمع مطالبات شعبية حول ذلك.

2- لا توجد ضمانات لغاية الآن أن تكون مخرجات الانتخابات المبكرة معبرة عن هموم الشارع ومطالب المحتجين، منها وجود بيئة مستقرة تحفز على المشاركة الانتخابية الفعالة، ولا ضمانات بحصول تغيير سياسي على مستوى الخريطة الانتخابية.

3- لا توجد ضمانات لنزاهة مطلقة للانتخابات المبكرة، فلا زالت بعض الأحزاب مسيطرة على مفاصل العملية السياسية، ولازال السلاح خارج إطار الدولة، ولازال المال السياسي والدعاية والقدرات الإعلامية وتأثير الأبعاد الخارجية حاضرة في خضم العملية السياسية.

ولهذا يعول على هذه الحكومة وبمساعدة بعض القوى البرلمانية أن تعمل سوياً على تفكيك هذه التحديات والعقبات والأزمات لتكون ممهدة لإجراء الانتخابات العامة بأي توقيت ينسجم مع وجود البيئة الملائمة لإجرائها على أن لا يتعدى التوقيت الدستوري.

إن مقتضيات الانتخابات المبكرة تحتاج إلى الكثير من الجهد والتعاون لإجرائها، وتكاد تكون مقوماتها الآن في غاية الصعوبة، وما يعول عليه أن يقوم مجلس النواب والحكومة بشكل جاد وإيجابي لاستكمال كل ثغرات ونواقص العملية الانتخابية، والتجاوب مع الإصلاحات المطلوبة التشريعية والرقابية والتنفيذية التي تنسجم مع مطالب حركة الاحتجاجات.

وهنالك أمل منعقد على البرلمان في ذلك بعد التصويت على استقالة الحكومة السابقة وتشكيل حكومة جديدة، أغلب أعضائها وتوجهاتها تعبر على الأقل عن الحد الأدنى للمواصفات والاشتراطات التي طالبت بها الاحتجاجات، لكن يحتاج الآن استكمال تشريع القوانين الإصلاحية ومنها قانون انتخابات مجلس النواب، فلا زال قيد التشريع وحسم الخلافات حول هيكلة مفوضية الانتخابات، والتصويت على قانون المحكمة الاتحادية، وتخصيص التمويل اللازم للمفوضية تمهيدا لإجراء الانتخابات، كما يتطلب من البرلمان تحويل القرارات التشريعية الإصلاحية إلى قوانين والتصويت عليها، ومنها قرار إخراج القوات الأجنبية، وقرار عدم الاستقطاع من رواتب الموظفين والمتقاعدين، ووضع خطة لمواجهة جائحة كورونا واحتواء التراجع الاقتصادي والمالي الذي يضرب البلاد، هذه مقدمات مهمة وضرورية للإصلاح ولكن هنالك تلكؤ في تشريع القوانين وإنفاذها.

مع كل ذلك لازالت الفرصة قائمة أمام مجلس النواب والحكومة في إنجاز المطالب والاستحقاقات وما يعزز ذلك: اعتبار التجربة البرلمانية في العراق (يضاف إليها تونس الآن)، استثناءً عن البرلمانات العربية في موضوعة التوازن بين السلطات (التشريعية والتنفيذية) إذ أصبح واضحا بعد عام ٢٠١٨، فلم تعد الكفة تميل لصالح السلطة التنفيذية ولم يتدهور دور البرلمان، ولم تعد مركزية دور القيادات السياسية التقليدية مسيطرة بطريقة فوقية على صنع القرار السياسي وبات من الممكن أن نراهن على مجلس النواب العراقي والحكومة الجديدة بالتجاوب مع آمال الشعب العراقي وتطلعاته.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2020Ⓒ
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

8