في خطوة متوقعة جرت بشكل سريع صوت مجلس النواب العراقي على مقترح قانون الاقتراض الداخلي والخارجي القادم من حكومة رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي في يوم 24حزيران، فيما سارع رئيس الجمهورية بعد يوما واحدا للمصادقة عليه، وهذا التسارع في القرار والمصادقة عليه من إحدى دلائل خطورة الأزمة المالية التي يمر بها العراق حالياً.

وجاء قانون الاقتراض في محاولة لتجاوز الأزمة المالية هذه التي تقف خلفها أسباب كثيرة أبرزها انخفاض أسعار النفط بسبب انتشار وباء كورونا قبل اشهر من هذا العام، ويكمن السبب الآخر في أن العراق يعتمد على الاقتصاد الأحادي الريعي المعتمد على النفط فقط، ويشكل ما نسبته 92% من مصادر موازنة الحكومة الاتحادية، لذا عندما انخفضت أسعار النفط تأثرت كل القطاعات في العراق وفي مقدمتها الموازنة التشغيلية وقطاع تمويل رواتب الموظفين الذين يشكلون ما نسبتهم 90% من القطاع العام المعتمد على الموازنة التشغيلية الاتحادية.

منذ بداية المرحلة الجديدة من الأزمة المالية الحالية تعثرت الحكومة في دفع مستحقات موظفيها بسبب عدم توفر السيولة المالية كما تدعي الحكومة، وجاء قانون الاقتراض الداخلي والخارجي ليعالج بشكل وقتي مرحلي العجز المالي الحاصل، وقبل بيان بنود القانون لابد من التوضيح إلى أن المقصود بالاقتراض الداخلي مصدره الحصول على الأموال داخليا عد اقتراضا داخليا، وإذا الاقتراض من خارج حدود الدولة عد اقتراضا خارجيا، وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن القرض الداخلي للدولة يتحقق للحصول على جزء من مدخرات الأفراد من القوة الشرائية للأفراد بالعملة المحلية، في حين أن القرض الخارجي يحقق للدولة المقترضة قوة شرائية بالعملات الأجنبية.

القرض الداخلي حدد مقداره قانون الاقتراض العراقي الجديد بمادته (2) بـ(15) تريليون دينار من الاقتراض المحلي، وحددت نفس المادة الاقتراض الخارجي بسقف لا يزيد عن مبلغ (5) مليون دولار، وقد خولت المادة (1) وزير المالية الاتحادي صلاحية الاقتراض محليا وخارجيا من خلال إصدار حوالات الخزينة والسندات والقروض من المؤسسات الدولية والبنوك الأجنبية لتمويل النفقات العامة.

إذ أن اتفاقيات الاقتراض والتوقيع عليها وإبرامها من اختصاص الحكومة الاتحادية حصراً استناداً إلى البند أولاً من المادة (110) من الدستور العراقي النافذ ووزارة المالية، حيث يعد وزير المالية المخول الوحيد لتوقيع القروض الخارجية، وقد اعتادت وزارة المالية الاقتراض الخارجي بعد عام 2003 من مجموعة من المؤسسات الدولية أبرزها: اليابان، البنك الدولي، مؤسسة التنمية الدولية، البنك الدولي للإنشاء والتعمير، صندوق النقد الدولي، ومن بعض الدول العربية الغنية بالنفط، وهذا متوقف على نوع التفاهم والتقارب بين الحكومات العراقية وهذه الدول والمؤسسات، والاقتراض الخارجي يحمل العديد من المحاذير منها المديونية التي تهلك واردات الدولة العراقية وحجم الفوائد وهذه المحاذير قد تتجاوزها الدولة إذا ما استطاعت تخفيض حجم الفوائد المترتبة على القروض وهذا ليس بالأمر السهل طبعا.

بالنتيجة يعد هذا الاقتراض أفضل الخيارات السيئة، لأنه لا مهرب منه في ظل الأزمات المالية، وبالقياس إلى المحاذير الخارجية يعد الاقتراض الداخلي أقل كلفة من الاقتراض الخارجي لأنه يعود بالفائدة على الاقتصاد المحلي وتشجيع رأس المال المحلي، وتشير تقارير الخبراء في السياسات المالية من أن محاذير الاقتراض الداخلي، مزاحمة القطاع الخاص على الأموال المتاحة للإقراض، وثانيها أن البنوك ستفضل الحكومة كمقترض مضمون قليل المخاطر على القطاع الخاص، ما يعني تحول سياسة التمويل المصرفي إلى سياسة انتقائية، أما ثالث هذه المحاذير فهي قلة عرض التمويل في مواجهة طلب حكومي متوقع أن يكون كبيرا على الأموال المتاحة للإقراض، وبالتالي خلق وضع انكماشي، سيدفع البنوك إلى رفع أسعار الفائدة على الأموال المقترضة للقطاع الخاص يدعمه توفر مقترض قوي بحجم الحكومة.

ويشير تقرير آخر إلى أن القرض الداخلي يحمل الاقتصاد القومي للدولة عبء الادخار الذي يمثله، أي عبء الحرمان من الاستهلاك وهو ما يؤلف عبئاً عينياً على الجيل الحاضر في حين نجد أن القرض الخارجي يعفي الجيل الحاضر من عبء هذا الادخار، وإذا ما فسر الادخار الداخلي في قانون الاقتراض العراقي بذلك فهذا يعني أن الحكومة الاتحادية ستعمل على سياسة الاستقطاعات من رواتب موظفيها وفق نسب ستحددها بحسب نسبة المخصصات، وهو ما يشكل مصدر انزعاج لهم وقد يحمل في طياته أبعاد كثيرة منها الأبعاد السياسية.

وحاولت المادة (3) من القانون إعفاء القروض الخارجية والحوالات والقروض المحلية من الضرائب والرسوم الكمركية، في حين تعهدت المادة (4) بقيام وزارة المالية دائرة المحاسبة بتمويل رواتب ومخصصات منتسبي كافة وحدات الإنفاق الممولة من قبل الحكومة الاتحادية على درجات حركة الملاك والدرجات التي استحدثت في قانون الموازنة لعام 2019، فيما نصت المادة (9) بمعالجة الاستحقاقات المالية للمحاضرين والعاملين في قطاع التربية والأطباء والكوادر الصحية وجميع العقود وحشد الدفاع، من جانب آخر أوصت المادة (7) من القانون بضرورة قيام مجلس الوزراء بتقديم برنامج للإصلاح الاقتصادي إلى مجلس النواب خلال فترة لا تتجاوز الستين يوما.

وفي ذلك يمكن القول: "إن قصة الإصلاح الاقتصادي والمالي هي من أهم الدواعي الوطنية الهامة والتي يرى المواطن العراقي البسيط قبل غيره أنها لابد أن تكون في مقدمة الأولويات للحكومة الاتحادية والسلطة التشريعية لكن البداية ضرورة أن تكون في معالجة ملفات الفساد والكامنة في مؤسسات وكيانات وأشخاص ونوافذ أخرى الذين يتسببون في إهدار المال العراقي، وأن الدولة العراقية لابد أن لا تصمت أمام حالات الفساد وسوء التدبير الذي أدى بشكل مباشر وغير مباشر إلى الأزمة المالية الحالية.

من هنا يوجه النقد اللاذع للحكومات العراقية والمؤسسة التشريعية كونهما ساهمتا في هذه الأزمة، وعليه فإن أي مشروع إصلاحي من الضروري أن يبدأ في معالجة هذه الملفات، في حين إذا ما رأى المواطن جدية المؤسسة التشريعية والتنفيذية في معالجة ملفات الفساد وسوء التدبير سيتقبل أي أمر آخر سواء في ارتفاع الضرائب أو الاستقطاعات، أما عن سياسة القروض الداخلية والخارجية فهي بالنتيجة لا تمثل إلا حلا مؤقتا، فلابد من تفعيل الاقتصاد المتنوع، وأن الاقتراض –على الرغم من كونه كان يعالج حالة مالية واقتصادية متأزمة- لكن يبقى أفضل الحلول السيئة التي لابد منها في ظل هذا الوضع.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001–2020Ⓒ
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

8