لستَ بحاجة للبحث عن أسباب التردي الذي بلغناه، فما وصلنا له من انحدار لم يعد مفهوما، ويستعصي على الوصف، حتى بدأنا نشكك في قدراتنا العقلية، فهل من المعقول أن نظل هكذا؟ نراوح مكاننا، بينما العالم يمضي من حولنا الى أمام بخطى نمر، ونحن نتحرك كسلحفاة ملقاة على ظهرها.

قدم لنا المحللون بفضل لغة مطواعة وصياغات مموسقة أسبابا تراوغ التفاصيل وتغفل الجوهر، وتتميع مع هذه الجهة او تلك، وتتلون بحسب الوسيلة التي يطلون منها بأربطة عنق وبدلات تفتقد الى مأ أسماه الفنان أياد راضي بـ (الهارموني) في مسلسله الكوميدي (كما مات وطن) الذي تبثه قناة الشرقية، وقبلنا ذلك على مضض بأننا نسبح في فضاء من الحرية يتيح للمحللين وغيرهم أن يقلبوا ظهرا على عقب المثل القائل (كُل ما يعجبك وألبس ما يعجب الناس). وعلى مدى ما يقرب من العقدين، لا المحللون سموا الأشياء بأسمائها وحددوا المسؤولين عما جرى بشخوصهم، ولا السياسيون تحرك لهم ضمير، وانكسرت خواطرهم على الناس وهي تتلفع بالعوز والقهر، ولا المجتمع الدولي بمنظماته العتيدة وضعنا بحسبانه، وهو يرى تماما ماذا يحصل لمعلم البشرية الأول.

حقا الامور تسير بحسب ما حدده الفيلسوف الكندي (آلان دونو) في كتابه الذي شغل به نقاد المعمورة (نظام التفاهة)، اذ التف حبل التفاهة على أعناقنا، وما عاد بمقدورنا الفكاك منه، والا بماذا نفسر ما يجري ؟، أليس من التفاهة أن يعجز الممسكون بأغنى بلد في العالم عن تأمين رواتب الموظفين، بل ويفكرون باسترجاع الفتات الذي أعطوه للناس يوم كانت الموازنات انفجارية، وبماذا نصف الذين للتو وعوا أهمية تنويع مصادر الدخل بعد مضي كل هذه المدة وهم يتربعون على الكراسي الفخمة، أليست هذه الفكرة من بديهيات السياسة ؟.

شيء لا يمكن تصوره أن ينتبه ساستنا الآن لتنويع مصادر الدخل وقت الافلاس، كثيرا ما تمنيت أن تدير حكوماتنا شؤون البلاد من دون الاعتماد على واردات النفط كما هو حال بلدان كثيرة بلا نفط، هنا فقط يمكننا التعرف الى القيادة الرشيدة، فأين الحنكة في قيادة تبيع النفط وتوزع مردوداته رواتب على موظفيها، هل أتجنى عليهم لو أسميتهم بــ (النفّاطة) مع احترامي الكبير للعاملين بهذه المهنة.

نظام التفاهة هو المتحكم بالعراق منذ عقود، ولم تكن الكفاءة والانجاز معيارا أبدا، وظل الولاء حاكما في اختيار حماة النظام منذ عهد صدام وحتى الآن، وظل أمن النظام هاجسا للممسكين بالسلطة وليس التنمية، ولذلك لم يسأل أحد عن مؤهلات وانجازات هذا الذي وقع عليه الاختيار ليكون مديرا او وكيلا او وزيرا، وعندما تتأمل في سيرته لا تجد فيها سوى تفاهات.

والتافهون هم من يشغل أغلب دوائر صنع القرار، ويستميتون من أجل الحفاظ عليها، ولذلك يبدأ برنامج عملهم بمحاربة الناجحين، لكي لا ينافسوهم، ويُحتمل أن يشغلوا مكانهم، فلن يتوانى التافهون عن قتل أي فكر خلاق، وبهذا يدوم نظام التافهين، ومع ان تعميم الأحكام ليس من الموضوعية، ولكن هكذا هم أغلبية الممسكين بعنق العراق، بدءا من رجال النظام السابق في سنواته الأخيرة وصولا للراهن حيث بلغت التفاهة أوجها. والتفاهة نظام متماسك كما قال ( دانو )، والتافه لا يختار الا من هو أتفه منه لمعاونته وهكذا الى نهاية السلسلة، وهذا ما نلمسه ونراه، والا بماذا تصف من يفضل مصلحة حزبه على وطنه، ومن يقدم الغريب على القريب. ومن يقتل أبناء جلدته بدم بارد.

والتافهون لا يستحون، فلا تأمل منهم مراجعة سلوكهم تأثرا بما تقوله الناس، وان ملأ صراخهم الشوارع والساحات، فلا هم لهم سوى الحفاظ على النظام بصرف النظر عن صورته في أذهان الناس وقدرته على تحقيق أحلامهم، وهكذا تضيع فرص الغد المشرق الذي نأمل.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق