إنها أمواج عاصفة عاتية أصابت حتى السفن الشامخة التي ما فكرت يوما أنها ستميل ميلا عظيما، إنه هدير كورونا، بأمواجه المتلاطمة الصاخبة التي لا يبدو أنها سترنو للهدوء قريبا حتى يعيد الإنسان حساباته جيدا مع منظومة الحياة ومقتضى انسجامه الفطري معها، والركن الأسمى كمدخل استراتيجي للوصول لذلك بناء الحضارة البشرية الصالحة القائمة على القراءة الحقيقية والمعرفة العلمية واستخلاص التجارب بعناية. وفيما تضرب هذه الأمواج المتلاطمة بنى البشر على اختلاف أجناسهم وأعراقهم ومذاهبهم وتخترق كل الحدود تتكاتف الجهود وتتوحد القلوب وترنو للخلاص العاجل من هذا الوباء الذي يموج في الناس كسرعة انتشار النار في الهشيم.

اليوم لا بد من وقفة جادة نحو ميزان البحث العلمي الطبي لمواجهة وباء كورونا، أو أمراض فتاكة أخرى قد تصبح يوما ما زائرا ثقيلا يهاجمنا من حيث نحتسب أو لا نحتسب، وفيما تعمل الدول المتقدمة بمؤسساتها ومختبراتها ومعاملها الطبية الحديثة ومراكز أبحاثها بكل جهد متسارع وتسابق وتنافس حميم في إيجاد اللقاح الذي يعالج المصابين ويوقف أمواج كورونا من السير مجددا للمهاجمة وإيقاع خسائر في الأرواح، وترتاح البشرية جمعاء من شر عدو لا يرحم ليعود للحياة نبضها السليم، تنتظر الدول العربية بمؤسساتها ومراكز أبحاثها وكلياتها ومعامل الطب في الجامعات جهود الدول المتقدمة في ايجاد الحل ومعالجة الأزمة.

إن ميزان البحث العلمي في المجال الطبي يعتبرا مقياساً حقيقياً لمعرفة مدى التقدم في مختلف العلوم والجوانب الأخرى، وكما تسعى الدول للتطور والنهوض من خلال دعم هذا المجال مادياً ومعنوياً، وتذليل الصعوبات التي تواجه الباحثين في عملهم الدؤوب للخروج بنتائج حديثة تعزز ذلك العلم وترفع مستوى التنمية الشاملة، تأتي المسؤوليات الجسام أمام صناع القرار في مؤسساتنا للمراجعة الشاملة على صعيد مسار دعم البحث العلمي بكل قوة.

إن دعم البحث العلمي في منطقتنا العربية ليس ترفا ودربا من دروب الكماليات التي يمكن تأجيل اتخاذ قرار استراتيجي نحوها، نتحدث عن عصب الحياة وحماية منجزات كل مقومات الحياة البشرية في منظومة الحضارة العربية، إن جودة الحياة الصحية للمجتمع وسلامته ليؤدي كل فرد منه الدور المناط به على أتم وجه، لا يمكن أن يتحقق دون وجود الرعاية الصحية الشاملة المتكاملة.

لقد أنشئت العديد من كليات الطب والمراكز البحثية في المجال الطبي في بيئتنا العربية لتوفير الخدمات والرعاية المجتمعية والنهوض بالإنسان إيمانا منها بأن الصحة أولا، ومع تعاقب السنوات والأزمات نجد أن البحث العلمي الطبي عربيا ما زال يعاني كثيرا، ويثقله ضعف التمويل والدعم مضافا إليه قلة المبادرات والبرامج البحثية المنوعة، والاستراتيجيات الواضحة والخطط المبرمجة على الاحتياجات المرحلية والمستقبلية.

وبناء على جملة من الأزمات والكوارث المتنوعة التي عصفت أمواجها في بيئتنا العربية، ومنها الأزمات الطبية تأتي النقطة المركزية ضمن جوهر هذه الأزمات في عملية المعالجة والتعامل معها حتى اللحظة هو الادارة للأزمة لحظة حدوثها..!! أو اللجوء للخبرات الأجنبية وخاصة في ظل الأزمات والكوارث الكبرى، دون وجود إستراتيجية واضحة ومحددة تتعامل مع مختلف التطورات، مستفيدين من عقول العلماء والباحثين والموهوبين في كل الأقطار العربية، اللذين يملؤهم الأمل والهدف في خلق رؤية مشتركة للوصول إلى هذا الطموح وتلك الرؤية الاستراتيجية التي تأسس لعصور مشرقة بعيدا عن هدر الطاقات والأزمات الداخلية.

نعم يوجد العديد من التحديات أمام خطوة مركزية لأجل تحقيق ذلك، ولكن هذه ضريبة كل فرد، كل دولة وحضارة من أجل التقدم والريادة، التحديات التي تواجه تأسيس قطاع بحثي طبي قوي والمحافظة عليه شامخا، فإن جهود الإصلاح يجب أن تنفذ بخطوات واضحة المعالم مع تأكيد العمل والتعاون المشترك عربيا، والانطلاق نحو دعم مراكز الأبحاث والمؤسسات الجامعية ذات الصلة بمجال الطب وتطوير التعليم الطبي بكل المقدرات الاستراتيجية وعقد المؤتمرات والندوات عن مستجدات الأبحاث والدراسات الجارية وتشجيع الباحثين في المجال الطبي ودعمهم طبياً وعلمياً ومادياً.

وأخيرا يتردد السؤال الاستراتيجي لدى كل الباحثين والطامحين، متى يمكن أن نتحول من مستهلكين إلى منتجين للبحث العلمي الطبي المبني على المعرفة الشاملة؟! دعونا نبدأ قبل أن نرى عاصفة جديدة مستقبلا قد تكون أخطر.

* خبير في البحث العلمي والدراسات
Phd.fadi@gmail.com

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3