خارج دائرة التشاؤم او التفاؤل، فان مصطفى الكاظمي يقع في الجيل الثاني من العملية السياسية ذات الـ ١٧ خريفا، وهذا وصف موضوعي لا يستبطن مدحا او ذما، انما يسجل حقيقة ان الجيل الاول استنفد اغراضه؛ تضمن الجيل الاول اسماء كثيرة، نجحت او فشلت، لكنها تشترك جميعا في البصمة الكبرى التي تركوها في العراق، وهي عيوب التأسيس التي انتجت كل ما تلاها، فقد اسسوا عملية سياسية كبرى على اسس خاطئة.

وكانت بداية العيوب الرضا بتشكيل مجلس الحكم، وقد وجهت نقدا لهذا الامر في مقال كتبته ونشرته في ٢٤ اب من عام ٢٠٠٣ بعد تشكيل مجلس الحكم. وقد رفضت ايجادَ تشكيلات بلا انتخابات. في ذلك المقال الذي حمل عنوان "طريقان لاعادة بناء الدولة: السلطة ام الشعب والانتخابات هي الفيصل". وقلت حينها ان الطريقة الوحيدة لاشراك الشعب في عملية اعادة بناء الدولة هي الانتخابات وبخاصة انتخاب الجمعية التأسيسية التي تضع الدستور، والاستفتاء على الدستور، والانتخابات البرلمانية.

لكن الطبقة السياسية التي لم تكن متشبعة بافكار اقامة دولة ديمقراطية حضارية حديثة، سارت في طريق اخر، انتج دولة المكونات، او بالاحرى سلطة المكونات، والطائفية السياسية، والمحاصصة، والفساد المالي والاداري، ثم تدني الخدمات وسوء الادارة والبطالة وغير ذلك، تعالت الاصوات المطالبة بالإصلاح السياسي، منذ ذلك الحين من قبل بعض الاشخاص والجهات، لكنها لم تكن مسموعة، او ان الطبقة السياسية، لم تشأ ان تسمعها، فتعمقت وتفاقمت ازمة الدولة/ السلطة حتى وصلت الى الطريق المسدود الذي لا مخرج منه الا بتفعيل سنة الاستبدال. استبدال قوم بقوم.

التقيت السيد عمار الحكيم، بعد توليه رئاسة المجلس الاعلى في الكويت، وقلت له: "سيدنا انت جزء من المستقبل، وانا جزء من الماضي، فلا تكرر اخطاء الكبار، حتى لو شئت الاستفادة من خبرتهم".

اليوم يوشك ان يتولى مصطفى الكاظمي المنصب التنفيذي الاول في الدولة العراقية. وقد يكون نجاحه في الفوز بثقة مجلس النواب مؤشرا مهما على فتح الابواب امام جيل جديد من مسؤولي الدولة، اصغر عمرا ولا تربطه رابطة النسب السياسي والحزبي بالجيل الاول المخضرم. هنا سوف اكرر نفس مضمون كلامي مع السيد عمار. "لا تعيد انتاج اخطاء الجيل الاول، وافسح المجال للجيل الثاني ان يكون من فريقك"، لان الجمهورية الثالثة شاخت وتحلل امرها، ولا بد من اعادة هيكلة الدولة من جديد، بما يكفل معالجة عيوب التأسيس.

لكن معالجة عيوب التأسيس ليست هي الخطوة النهائية، ولا تكفي اصلا، لانها، اي عيوب التأسيس، امراض عارضة ألمّت بالدولة، وحالت دون تحقيق المشروع البديل لا عن عيوب التأسيس فقط، وانما البديل عن الدولة المتخلفة التي اقامها صدام وحزبه، ما يحتاجه العراق هو نفس ما احتاجته الشعوب، منذ اجبر نبلاء بريطانيا الملك جون على التوقيع على وثيقة الماگناكارتا عام ١٢١٥، اي الدولة الحضارية الحديثة، اي دولة المواطنة والديمقراطية والقانون العادل والمؤسسات والعلم الحديث.

لست متأكدا ان الكاظمي سوف يستطيع القيام بذلك، لأسباب كثيرة، في مقدمتها العراقيل التي سوف تضعها، بل ربما وضعتها الطبقة السياسية في طريق الاصلاح. واهمها الحصص التنفيذية بدعوى الاستحقاق الانتخابي. وهي دعوى باطلة تحريفية، معيقة.

لكن عليه ان يسعى بكل ما اوتي من جهد وطاقة ومصادر قوة، مستعينا بالجيل الثاني من الطاقات والكفاءات، لتحقيق ما يمكن تحقيقه في الفسحة الزمنية القصيرة المتاحة امامه. ومن ذلك، المشاريع الذكية لتقديم الخدمات السريعة على مستوى السكن والصحة والتربية وتوفير فرص العمل، فضلا عن الانتخابات المبكرة على اساس الانتخاب الفردي.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق