لطيف جدا أن يتحسس الأخيار معاناة الفقراء، ومن تعثرت أرزاقهم جراء حظر التجوال، او غيرهم من الذين تقطعت بهم سبل الحياة قبل غزوة كورونا، ومع ان أصواتهم قد بحت طوال سنين، لكن أحدا لم يسمع لهم، حتى بلغ بهم اليأس مبلغا، ما عاد معها لكلامهم جدوى وصراخهم صدى، ففوضوا أمرهم لله، واستسلموا لأقدارهم البائسة في بيوت من الصفيح، او خيام تتلاعب بها الريح والأمطار كيف تشاء، عوائل بالآلاف تقاسي شتى أنواع العذاب، أيتام، معوقون، عجزة، أرامل ، بلا سكن او مصدر رزق، منتشرون في العشوائيات، او قرب المزابل، او في أماكن نائية بعيدة عن العين، يتصدق عليهم هذا وذاك، وأحسنهم حالا تلك النسوة التي تبحث في التآلف من الخضروات عما يصلح منها لقدر هزيل ما كانت تتصور يوما أن يكون بهذا البؤس، فهل من هدر للكرامة أكثر من هذا؟

ليس العيب في الفقراء، ولا في الكثير من المتصدقين الذين يشّهرون بالناس، بالتقاط السلفيات، واللقطات المثيرة للعطف، وليست يسارهم لا تعرف ما تعطي يمينهم، بحسب أخلاقيات اريد لها ان تشيع في بلادنا منذ قرون، وكنا ظن ان المجتمع قد تربى عليها، واذا بمساحات الفقر تتسع برغم قصر المسافة بين جامع وآخر، ولا ندري الى أين ذهب الكلام المعسول الذي تفوه به أئمتها، وتاريخ لا يُعرف له طول من الدعوة والتبليغ والارشاد والنصح.

العيب ليس في الذين يتاجرون بمآسي الناس ويوظفونها للترويج لشخصيات بعينها تخطط مبكرا لما يُراد له أن يكون بعد حين غير معلوم، اذا ما قدر للانتخابات أن تحدث، فالناس أجناس كما يُقال، بل العيب كل العيب في الدولة ورجالها، وهم يرون بعيون غير جاحظة الإذلال الذي تكابده (الرعية)، ولا يفكرون بتحرير الناس من هذه المحنة التي لازمت أعمار أجدادهم وآبائهم وامتدت اليهم، على أمل أن يمن الله بوطنيين يخافون الله ويملكون الارادة الصادقة لانتشال هؤلاء الناس من وطأة الفقر، وليس طلاب سلطة ليسدوا بها نقصا في وجاهة، او يشبعون شعورا ساديا بالتسلط على العباد، ليسوقوهم الى المهالك بحسب الهوى، او الزائف من الشعارات، او المظلم من القناعات.

العيب في مؤسسات تدعي التنوير، وتتبجح باقترابها مما وصلت اليه مثيلاتها في العالم، وتمارس فعلا لا يختلف عن فعل أدعياء الدين والأخلاق القويمة، ليوزعوا كيلوغرامات معدودة من الخضراوات وبضع أرغفة من الخبز، من دون أن يفكر مسؤولوها بإيجاد حل جذري لعراقيين لم تتح لهم فرصة الارتقاء بالحال بالرغم مما تنعم به بلادهم من خيرات، لكنك اذا تبادلت الحديث معهم يصورون أنفسهم عباقرة هذا الزمان، وان لا أحد غيرهم بقادر على تسيير الامور، مع ان حديثهم ليس بأكثر من ثرثرة، ولا حل في ثناياه حتى للبسيط من المشكلات، لكن اياك من انتقادهم، فلهم من أساليب القمع ما لا يخطر لك على بال .

نثني على من أعطى، وما كنا نأمل أن يكون للبعض حاجة للناس، فقد قال الامام علي (ع) (( وذقت المرارات كلها فلم أجد أمر من الحاجة إلى الناس ))، حقا هو أمر مر بضمنها أنشطة المنظمات الاجتماعية، ففيها اناس يوزعون وآخرون يشخصون الأحوال المعوزة، بينما نريد أن نحفظ ماء وجه المحتاجين، وذلك لن يكون الا من خلال الدولة التي تكمن وظيفتها في رعاية أحوال الناس، فالدولة هي الام الحنون على أبنائها، فمن يعيد لها امومتها.

واظن ان ما نمر به فرصة لإعادة النظر بما يسمى الرعاية الاجتماعية والعاطلين عن العمل، وتقويم دوائرها وضبطها بما يمنع اختراقها والتحايل عليها لتؤدي وظيفتها بشكل حقيقي، فما يقدم للمحتاجين حاليا لا قيمة له، والمستفيدون من ضعاف النفوس فيها أكثر من مستحقيها، كم هو واهم من يرى في هذه الأفعال شطارة، والكارثة في المسؤولين الذين تنطلي عليهم هذه الحيل.

من المؤكد ان المسؤولين عن مكافحة الفقر ومحو خطوطه لا يعرفون انه بيئة مؤاتية لانتعاش أمراض اجتماعية لا تقل فتكا بالمجتمع من كورونا، ويمكن أن تنحدر بالدولة الى حيث لا يتصور العباقرة.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق