بحسب مؤشر الديمقراطية لعام ٢٠١٩، توجد في العالم الان ٢٢ دولة ذات انظمة ديمقراطية سليمة او كاملة، وهذه الدول هي، حسب ورودها في الجدول تنازليا: النرويج، ايسلندة، السويد، نيوزيلاندة، فنلندا، ايرلندا، الدانمارك، كندا، استراليا، سويسرا، هولندا، لوكسمبورغ، المانيا، المملكة المتحدة، اوروغواي، النمسا، اسبانيا، موريشوس، كوستاريكا، فرنسا، تشيلي، واخيرا البرتغال، هذا اضافة الى الدول ذات الديمقراطيات الناقصة او ذات العيوب وعددها ٤٣ دولة، من بينها الولايات المتحدة الاميركية واليابان والهند!.

وبالعودة الى قائمة الدول الديمقراطية نجد انها غير متجانسة من حيث التوزيع القاري حيث نراها موزعة على قارات العالم في اوروبا، والاميركيتين، واستراليا، وافريقيا، لكن لا توجد دولة اسيوية. وهذا التنوع القاري يوحي بان الديمقراطية اضحت ظاهرة عالمية، وليست غربية او اوروبية حصرا.

كما يمكن ملاحظة ان بعض هذه الدول عريقة او حتى قديمة، مثل المملكة المتحدة وسويسرا، وبعضها حديثة نسبيا مثل البرتغال واسبانيا، والاهم من هذين الفرقين، ان هذه الدولة ليست متجانسة من حيث نظامها السياسي، فهناك دول ملكية فضلا عن الجمهورية، وهناك دول ذات نظام برلماني ورئاسي ومختلط.

وجميع هذه الدول تندرج تحت عنوان الدولة الحضارية الحديثة، التي نروج ونثقف لاقامتها في العراق، لكن هذه الدول تمثل نماذج وتجارب مختلفة في الديمقراطية. فلا يوجد نموذج ديمقراطي حديدي مغلق واحد رغم ان الديمقراطية من حيث الجوهر السياسي مفهوم واحد يتمثل في امكانية تداول السلطة سلميا عبر الاتتخابات الدورية. انما يستطيع كل شعب ان يصنع نموذجه الديمقراطي المتناسب مع حاجاته ومستوى تطوره الحضاري وثقافته العامة. ولهذا لا تحتاج الديمقراطية الى تصدير او استيراد.

فما دام الشعب، اي شعب، قد وصل الى قناعة بضرروة حل مشكلة الحكم عن طريق الديمقراطية، فانه بمقدوره ان يصمم الطريق المناسب له، كالمسافر الذي اتاح له التقدم الحضاري طرقا مختلفة للوصول الى المقصد او جهة الوصول. فالمهم في الامر ان يقتنع الشعب ان الديمقراطية افضل طرق تداول السلطة مقارنة بالطرق الاخرى كالدكتاتورية، او الحق الالهي، او التغلب بالقوة، او الوراثة، وغيرها ان وجد.

لكن من المفيد جدا بالنسبة للعاملين من اجل الاصلاح، والساعين الى اقامة الدولة الحضارية الحديثة ان يدرسوا هذه التجارب الاثنتين وعشرين من اجل اكتشاف الطرق التي اوصلت مجتمعاتها الى تحقيق الديمقراطية الكاملة للاستفادة من المعرفة العملية التي تقدمها هذه التجارب.

والمهم في هذه الدراسات ان تلقي الضوء على البدايات، على الخطوات الاولى التي قامت بها هذه المجتمعات، والتي اوصلتها الى حالتها الراهنة.

وسنكتشف بطبيعة الحال ان تلك البدايات البعيدة لم تكن طرقا معبدة بالزهور والرياحين، انما كانت بدايات صعبة محفوفة بالمخاطر والمجازفات والتجارب الفاشلة مرات ومرات. وسنكتشف ان دماء سفكت وارواحا ازهقت في الطريق الى الديمقراطية، وان هذه الشعوب دفعت اثمانا عالية، في صراعها مع التخلف والجهل والتقاليد والخرافات والتفسير المتشدد للدين والدكتاتوريات حتى وصلت الى حالة الديمقراطيات النموذجية او الكاملة.

وحين ننظر الى مجتمعنا فاننا لا نقارن وضعه الحالي بالوضع الحالي للدول الاثنتين وعشرين المذكورة، وانما نقارن بين وضعنا الحالي، بوصفه وضع بدايات، وبين بدايات قيام الديمقراطية في تلك الدول. ولعلنا سنفاجأ اذا لاحظنا ان بداياتنا قد تكون افضل من بدايات تلك الدول.

يكتسب هذا الكلام اهمية خاصة في ظروف الحراك الاصلاحي الراهن في المجتمع العراقي، والذي جعلتُ في مقال سابق الديمقراطيةَ من معايير قياسه والحكم عليه. ومؤدى هذه المعايير ان يضع الحراك الراهن نصب عينه تحقيق الديمقراطية في اطار حركة اوسع نحو الدولة الحضارية الحديثة.

.........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0