عندما تأتي النتائج على عكس التوقعات، يحدث الاحباط، هذا ما يقوله علماء النفس، ومسألة الاحباط لم تخطر على بال رئيس الوزراء المكلف محمد توفيق علاوي الذي أطلق سيلا من الوعود، هي أقرب الى الأماني منها الى الأهداف الواقعية، برغم تشخيصه الدقيق للأمراض السرطانية التي أصابت جسد العملية السياسية منذ تولى أمرها الذين لم يعوا تاريخ العراق، ويؤمنوا برموزه الشاهقة وانجازاته العظيمة، فأنتجت خرابا متعدد الوجوه يكابده العراقيون صباح مساء.

فالعراقيون محبطون بالأصل، لأنهم لم يلمسوا شيئا من الذين تبوأوا المنصب قبله، فقد سمعوا وعودا مماثلة وان لم تكن بالكم نفسه، ورأوا الذين تصدروا الشاشات وقالوا بطريقة توحي بالقدرة انهم سيضربون الفاسدين (بيد من حديد)، وسيحصرون السلاح بيد الدولة، وسيقضون على الدولة العميقة، لكن هذه الأهداف التي لطالما تشبث بها العراقيون على أمل تحقيقها تلاشت، واذا بالخراب يتسع، والدولة العميقة تزداد قوة، والسلاح المنفلت يشيع، حتى انتهى الأمر لدى أحدهم باحتلال المناطق الغربية بما يقرب من ثلث مساحة العراق، وتآمرت الدولة العميقة على الآخر، وبدل أن يكون في مقدمة الصفوف صار في مؤخرتها، ويتعذر وصف الحال في زمن الأخير، فحكمه بلا طعم او رائحة او لون، وهكذا اخُتطفت الدولة، وعمت الفوضى، وسكتت الحناجر، ولم يتجرأ أي من أصحابها الكبار على التفوه بكلمة شجاعة ازاء مَنْ يرتكبون فواحش شنيعة بحق العراقيين.

ان الاحباط المتراكم طوال عمر العملية السياسية هو سبب انتفاض الشباب بحثا عن وطن مسلوب وثروات مهدورة، يحدوهم أمل باسترجاع وطنهم، والارتقاء بحاضرهم، وتأمين الطريق الى المستقبل، واعادة الهيبة لبلد كان الآخرون يحسبون له حسابا، اذا ما المشكلة في مطالبهم، وأين هم مخطئون، ولِمَ يحاول البعض انهاء احتجاجاتهم بطرق ما عادت مقبولة لا في الشرائع السماوية ولا في القوانين الوضعية؟

من غير المعقول ان يناصبون العداء لجيل يحلم بالتغيير، ويتطلع للعيش الرغيد، فقد مضت علينا عقود طويلة ونحن نراوح في المكان ذاته جراء سياسات غبية لأميين ومغامرين ومقاولين فاسدين وأصحاب الولاءات المطلقة والذين لا يعني لهم العراق شيئا.

لا ننطلق من مواقف سابقة حيال رئيس الوزراء المكلف، ولا نشكك بالوعود التي أطلقها، فقد تكون نياته صادقة، لكن وعوده من الضخامة بمكان، لا يتوقع معها أبسط الناس تحقيقها، فهل يمكنه المساس بمناطق نفوذ لشخصيات معروفة ترى نفسها مقدسة وأعلى من منصب رئيس الوزراء، وقد تحققت لها من المكاسب ما لم يراودها في الأحلام، وستقاتل حتى النفس الأخير من أجل الحفاظ عليها، لقد تشابكت مصالح الفاسدين مع الخراب، ومن أجلها لن يأسفوا حتى وان ضحوا بجميع العراقيين، وآخرون احتل الغرباء مكانة أثيرة في صدورهم، فهل يستطيع علاوي في غضون سنة واحدة وهي أطول مدة يمكن أن تمنح لحكومة انتقالية من تحقيق وعوده؟.

ان نظرة واقعية للتحديات التي تتعرض لها البلاد، تجعل من تحقيق وعد واحد انجازا عظيما، وأظن ان حصر السلاح بيد الدولة واعادة الثقة بالأجهزة الأمنية لوحده يحتاج لسنوات من العمل الشجاع والارادة الصادقة، والنجاح فيه يشكل أساسا للانطلاق نحو أهداف اخرى، ومع ان الرجل يستحق أن يُمنح فرصة كافية، لكن يجب أن تكون مدروسة بعناية بالغة، فالعراق صار حقل تجارب، وفي كل تجربة يهدر الكثير من الدم العراقي للأسف، والسؤال الأهم: كيف سيكون الوضع لو فشل علاوي في تحقيق أي من وعوده المخملية؟ .

ما يلفت النظر في تكليف علاوي هو صمت الطبقة السياسية ازاء ما ينوي القيام به، وجميع نياته تتعارض مع مصالحها، فالفاسدون هم من بين هذه الطبقة، وكذلك حملة السلاح، وقتلة المتظاهرين، فهل يُعقل أن ترشح هذه الطبقة من سيزجها في السجون ويسلب ما جمعته من مال، ومن يصادر سلاحها، ام انها متيقنة تماما بأن أيا من الذي قاله علاوي لن يرى النور؟ ويأتي ترشيحه كسبا للوقت ريثما ترتب امورها، وتعيد العربة الى السكة، ومع ذلك يمكن الوثوق بوعود علاوي اذا كان قادرا على تسمية تلك الجهات بأسمائها وأولها الطرف الثالث، ولكن من أين له الوصفة السحرية التي أشار اليها عبد المهدي في خطاب منتصف الليل؟.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

8