استلاب القرار السيادي في بلد ما في دولة ما، سواء أكان بفعل أطراف محلية او خارجية، يقود بالنتيجة الى عدم الاكتراث بالمصالح الوطنية وتسيّد مصالح اخرى ترتبط بتلك الاطراف المحلية او الخارجية وذلك بعد حرص تلك الاطراف على تغليب مصالحها ومصالح داعميها، ولا تكتفي بذلك بل تجهد نفسها باتجاه الاستحواذ على القرار السياسي وافراغ السلطات من محتواها وصلاحياتها. وهذه الهشاشة هي نتيجة لعدم الاستقرار السياسي والامني.

اثبتت الاحداث في العراق لاسيما بعد 2003 ولغاية الوقت الحاضر ولاسيما المستجدات خلال الاشهر الاخيرة والسلوك السياسي لـ "القوى السياسية" تجاهها، ان السلطات في العراق بلغت من الوهن الحد الذي يصل الى تغليب مصالح فئوية واقليمية ودولية وتذويب المصالح العراقية وابعادها عن الاهتمام وبشكل يدعو الى اليأس من امكانية عودة الحياة للمصالح الوطنية العراقية وسط بيئة اقليمية ودولية تصارعية وتنافسية، واختلال لتوازن القوى بين الداخل والخارج تضعان البلاد في حتمية جغرافية الصراع ، وكأن الجغرافية هي الابتلاء ، وليس الفشل في توظيف هذه الميزة الجيوسياسية في تحقيق مصالح البلاد ورفاهية شعبها.

مع كل ذلك، على الاطراف الفاعلة والمستلبة للقرار السياسي السيادي ان يدركوا ان دوام الحال في الشؤون السياسية ضرب من الخيار مهما كان الحرص كبيرا على استدامة الاوضاع. فالمتغيرات والمصالح مترابطة وتؤثر في بعضها البعض، كما ان التغييرات في قطاعات الحياة المختلفة لابد ان تترك آثارها في الشؤون السياسية والقرار السياسي، والاخير ليس احادي التأثير والتأثر وليس محدود الانعكاس. ولذلك نقول ان النظام السياسي هو القائد للقطاعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها، وهو يثر ويتأثر بها. وبما ان القوى والاحزاب السياسية هي أحد العناصر الرئيسة في النظام السياسي. ولهذا، فإن السلوك والاداء السياسي لتلك القوى والاحزاب تكون شديدة التأثير في النظام وديناميكياته، كما ان اداء السلطات التنفيذية والتشريعية في الدولة ومواقفها من تجاه القضايا المحلية والدولية يؤثر في النظام السياسي وتحولاته.

ما يؤشر على عناصر النظام السياسي (احزاب وسلطات) في العراق وسلوكياتها وادائها تجاه المتغيرات الاقليمية والدولية، انها اجتهدت كثيرا باتجاه استلاب قرار الدولة السيادي تجاه احداث قوية بين أطراف الصراع الاقليمية والدولية كبيرة في منطقة هي الاكثر عدم استقرار سياسي في العالم الا وهي منطقة الشرق الاوسط. وبفعل ذلك، تم تقييد مؤسسات النظام وعدم نفاذ قواعده (الاطر التشريعية الحاكمة)، وبالمقابل ساد الطابع الانفعالي والفئوي الطائفي المكوناتي على التعاطي مع التحولات والاحداث التي يمر بها العراق.

استمرار هذا التعاطي سيجذر من تبلور حالة خاصة لكل منطقة في العراق وبالتالي لكل مكون، وهنا نكون امام مشهد قاسي جدا الا وهو بروز الشروط الموضوعية لتفكيك البلاد وتقسيمها. فالرهان على امكانية سيطرة مكون معين على القرار السياسي في القضايا المهمة ذات البعد الاستراتيجي والذهاب باتجاه وضع "ممثلي" باقي المكونات امام الامر الواقع. وهو امر خطير يؤسس لعرف قد يسود المرحلة القادمة حتى في حالة التصويت على القضايا المحلية، وبالتالي نكون امام مشهد أبرز متضمناته هو شلل النظام بفعل افراغ سلطاته من صلاحياتها بشكل غير مباشر وفي مقدمتها التشريعية.

واستمرار "القوى السياسية" بهذا النهج السلبي سيقود ايضا الى تعارض مصالح المكونات فيما بينها، وعندها نكون امام وضع ومصالح خاصة لكل مكون وكل منطقة. وهذا امر خطير لابد من توافر تلك " القوى" على فهم واضح ومدروس لطبيعة الاوضاع في البلاد والانتباه لمسالة مهمة الا وهي مسالة توازن القوى محليا، فالاختلال في هذا التوازن سيقود الى حتما لتصارع واستخدام العنف.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5