لحين سقوط الاتحاد السوفيتي نهاية العام 1991، ظلت بريطانيا، ترى ان العقيدة الشيوعية وشعار الاشتراكية، مجرد قناع لتحقيق حلم الروس في امبراطورية عالمية!، ربما يعود هذا الراي الى ثقافة استعمارية مشوّهة، ولدت من رحم التغوّل الراسمالي، فالاستعمار، في دلالته اللغوية، فعل انساني، وضروري ايضا للتكامل الحضاري العالمي، لكن المستعمرين استبطنوا رغبة في الهيمنة على الشعوب من خلاله وسرقة ثرواتها، وإن ايقظوا الخاملة منها وحفزوها على النهوض .. بريطانيا نجحت في مسعاها هذا، حتى وصفت بالامبراطورية التي لاتغيب عنها الشمس. ولأنها او بالأدق، لان ساستها الراسماليون، معادون للاشتراكية، ومنغمسون في ثقافة الهيمنة والتوسع، لذا لايستطيعون، ان يروا الشيوعية او غيرها الاّ بمنظارهم الخاص، وهو ما قادهم الى الاستنتاج المشار اليه، بشان روسيا وامبراطوريتها العالمية!

كثيرة هي الدول التي رفعت شعار، مناصرة القضية الفلسطينية، ودخلت في مناكفات اعلامية مع الغرب واميركا، تحته، سواء في مؤتمرات الدول الاسلامية، او عدم الانحياز وغيرها، لكنها في الحقيقة كانت تبتغي الاقتراب من المزاج العربي لتحقيق مصالح اقتصادية، لاسيما ان البلدان العربية، تمثل سوقا كبيرة، ومجالا اقتصاديا واسعا، يستوعب الكثير من المشاريع المختلفة ... بعد ان تداعت الامور منذ العام 2010، ودخلت دول عربية عديدة، بالتتابع، في نفق (الربيع العربي) المظلم، صار انقاذ هذه الدول من (انظمتها المستبدة)، شعارا جديدا، رفعته الدول نفسها وغيرها، لتحقيق مصالحها، من خلال الاقتراب من المزاج الاميركي، والنفوذ بواسطته الى تلك المصالح بعد ان يتم ما مرسوم لتلك البلدان من (تحرير) وبدء (عمليات سياسية) تعكس شراكة المنتصرين، وتؤبد وجودهم بواسطة من يمثلهم فيها، باسم التعددية والديمقراطية!

العقد الاخير، الذي عشنا خلاله تراجيديانا المرعبة، شهدنا في بعض تداعياتها، مواجهة سياسية بين اميركا وحليفتها تركيا، بشان ملفات خلافية، ايقظتها نزعة التغالب والمشاريع المتناشزة بين الطرفين، في المنطقة، بدأت مع الدعم الاميركي للكرد السوريين، اذ قراته تركيا على انه تهديد لأمنها القومي، وحصل بينها وبين ادارة اوباما، حينذاك، ماحصل من مواقف وتوترات، حتى انتهت في الاسابيع الاخيرة الى تفاهمات، اوصلت الطرفين الى حل، تمثّل بتدخل عسكري تركي مباشر، في سوريا لملاحقة، صنيعة اميركا، عناصر ما يعرف بقوات سوريا الديمقراطية، داخل الاراضي السورية .. واضح بالنسبة لنا، ان تركيا الاخوانية، كانت متدخلة بشكل كبير في سوريا، من خلال دعمها بعض الجماعات المسلحة الموالية لها، قبل ان يفشل مشروع اسقاط النظام في سوريا، اثر تدخل الروس، وصمود السوريين، بعد انكشاف المخطط الخطير، الذي كاد يدخل بلادهم في فوضى دموية طويلة، وهذا يوضح بشكل جلي، ان التدخل التركي، كما التدخلات الدولية والاقليمية الاخرى في سوريا وغيرها، لم يكن بدوافع عقائدية او انسانية، كما تقول الشعارات التي يحدثنا عنها الاعلام الموجة، وانما لمصالح قومية، ولعله بات واضحا اليوم، اكثر من اي وقت مضى.

التدخل التركي الاخير في ليبيا، والمتمثل بدعم فصائل مسلحة قريبة من حكومة الوفاق، يؤكد القديم الجديد الذي تحدثنا عنه، اي ان الدول تبحث عن مصالحها، وان تخفّت وراء عقائدها، وهذا اصبح واضحا من خلال اتفاق اردوغان مع حكومة الوفاق برئاسة السراج، على استثمار الطاقة في البحر المتوسط لمسافة كبيرة، الامر الذي استفز دولا اخرى متشاطئة او طامعة! ... في العموم لم تكن تركيا وحدها من فعلت ذلك، بل دول اقليمية عديدة، دخلت اللعبة او ادخلت اليها بشكل او بآخر، ليحد الجميع انفسهم، يحاربون الجميع، وان الهدف الذي ظل مخفيا، هو مصالح الدول او الحكومات، لكن البعض من العرب، الذين لم يعرفوا حتى اليوم كيفية تحقيق مصالحهم، لايريدون ان يصدقوا انهم لايعرفون!

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

6