إيران تقترب كثيرا من عقد اتفاق نووي مع الدول الكبرى الست في مفاوضات تاريخية وحساسة لم يتبق لها سوى أسابيع قليلة، بعد ان اجتازت العديد من المنعطفات الصعبة والاوقات الحرجة، وتمكنت من التوصل الى "اتفاق مرحلي" قد يعتبر حجر الزاوية في توقيع "الاتفاق التاريخي" والنهائي الذي سيقطف الجميع ثماره الإيجابية على المستوى الاقتصادي والسياسي والأمني وربما على مستوى العلاقات الدبلوماسية بين إيران ودول طالما صنفت ضمن قائمة الأعداء او الشر المطلق.

ويبدو ان المؤشرات الإيجابية تؤكد وجود فرصة حقيقية لإبرام الاتفاق وتمرير الصفقة النووية مع ايران بنجاح بالرغم من صعوبتها، وقد تحولت طهران في الأسابيع الماضية قبلة للعديد من الشركات الأجنبية والوفود الغربية (بما فيها الولايات المتحدة الامريكية)، التي جاءت لتؤكد رغبتها في البحث عن استثمارات مستقبلية مع ايران بعد الاتفاق، كما ان القمة الخليجية- الامريكية في منتجع "كامب ديفيد"، التي دعا فيها الرئيس الأمريكي "أوباما" قادة الخليج لمناقشة الاتفاق النووي المزمع عقدة مع ايران، أعطت انطباعا لدى الجميع بان الاتفاق ماضي رغم المعارضة التي ابدتها دول الخليج وإسرائيل، واكد أوباما بالمقابل التزام الولايات المتحدة الامريكية بأمن دول الخليج ضد تهديدات يمكن ان تتعرض لها من ايران، خصوصا بعد ابرام الاتفاق ورفع العقوبات الاقتصادية عنها والذي سيعطي لها (ايران) دفعة قوية لانعاش اقتصادها المضغوط بسبب العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي، مع عدد كبير من دول العالم، وبالأخص في جانب تصدير النفط والغاز، وهو المورد الأساسي للدخل القومي في ايران.

ومن المتوقع أن التغيرات التي سوف تطرأ على إيران لمرحلة ما بعد الاتفاق النووي ستتخذ المستويات التالية:

التغيرات الاقتصادية

وكما أشرنا سلفا، فإن إيران واحدة من الدول الإقليمية المهمة في منطقة الشرق الأوسط، ولها من الاستثمارات الخام (بفعل ابتعادها لفترة طويلة عن السوق العالمية بفعل العقوبات والحروب السابقة والتوتر في العلاقات مع الغرب) ما يغري الكثير من الشركات والدول في إقامة شراكة اقتصادية معها، كما ان موقعها الجغرافي وعدد السكان والبنى التحتية الجيدة والثروات الطبيعية التي تتمتع بها والامن في منطقة تعاني العديد من الاضطرابات، كلها عوامل مشجعة لاستثمارات طويلة الاجل ستدر أرباح وفيرة، وبالتالي ستنعكس على علاقة ايران مع الدول الغربية بصورة إيجابية.

التغيرات السياسية

ربما لن تكون هذه التغيرات سريعة بنفس وتيرة التغيرات الاقتصادية الا انها قادمة لا محالة، فالولايات المتحدة الامريكية والغرب يحاول احتواء إيران بدلا من الصراع المباشر معها، وهو يعتبرها اليوم احدى الدول الإقليمية المهمة في منطقة الشرق الأوسط، لكن لم يبدا مرحلة التعاون المباشر معها بسبب عوامل انعدام الثقة بين الطرفين لعدة حوادث سابقة، وهو ما يحتاج، بطبيعة الحال، مرور بعض الوقت يحاول فيه الطرفان اثبات حسن النوايا والتعامل بشفافية أكبر في حل القضايا والخلافات السياسية، زهو امر شبيه بما تمر به المحادثات النووية التي مرت بعدة مراحل حتى وصلت الى ما وصلت اليه راهنا.

التحولات الداخلية

العديد من التغيرات الداخلية ستحدث بالتزامن مع التحولات الاقتصادية والسياسية، وهي تغيرات بمجملها ربما ستكون إيجابية مع فرص بقاء الإصلاحيين في الحكم ونجاحهم بإبرام الاتفاق النووي ورفع العقوبات الاقتصادية وتجاوز العقبات الداخلية والخارجية التي تحاول منع التوصل الى هكذا اتفاق، وقد تتخذ هذه التحولات خطين رئيسين:

الخط الأول: سيبرز على شكل صراع بين التيار المحافظ والتيار الإصلاحي على مستوى السلطة في داخل إيران، ولكل خط توجهاته ومشاريعه الخاصة فيه، ففي حين يركز التيار المحافظ على "محور المقاومة" و"اقتصاد المقاومة" ورفض الاتفاق النووي والعلاقة مع الغرب، يحاول التيار الاصلاحي التركيز على إنعاش الاقتصاد الايراني والانفتاح مع الغرب، ورفع القيود على الحريات العامة.

الخط الثاني: وهي تحولات تتعلق بالحريات العامة والإصلاح الاقتصادي السياسي التي وعد بها الإصلاحيون بعد تولي الرئاسة الإيرانية، وتطالب شرائح واسعة من المجتمع الإيراني والنشطاء والمعارضين بالمزيد من الإصلاحات ورفع القيود على حرية التعبير والراي بدعم من الإصلاحيين في محاولة لإزاله بعض القيود التي فرضها المتشددين، وهو صراع يمتزج مع الصراع الناتج من الخط الأول.

خلاصة

بالنتيجة فان إيران قادمة على تحولات إيجابية على المستوى الخارجي، وهو امر اقترب من النهاية، لكن في ذات الوقت ينبغي على النظام الإيراني والطبقة الحاكمة فيه، التكيف مع هذه التحولات الخارجية لإنعاش حركة الإصلاح والتطور الداخلي في المجتمع الايراني، من اجل تحقيق مكانة إيران الإقليمية بصورة أكثر واقعية، بدلا من اللجوء الى الطرق التقليدية في معارك كسر العظم ولي الاذرع مع الخصوم او المعارضين لها في الراي، فالدول القوية والمتطورة هي التي تسمح لوجود المعارضين في السلطة بدلا من تهميشهم او محاربتهم كخونة او أعداء او حتى كعملاء، وبالتالي النجاح مرهون بمستوى التحولات الداخلية التي يستطيع النظام تطبيقها من اجل تحقيق المزيد من التقدم الإصلاحي في المجتمع.

كما ان إيران خارجيا مطالبة بصفتها كدولة إقليمية مهمة في الشرق الأوسط، بالابتعاد عن المناكفات السياسية مع دول المنطقة، سيما الدول التي تعتاش على صنع الازمات لعرقلة أي دور إيجابي لإيران في المنطقة، وهي رسالة قد يفهمها التيار الإصلاحي في إيران أكثر من غيره، فايران ستبدو اقوى في استثماراتها الاقتصادية وعلاقاتها السياسية الناجحة مع الدول المتقدمة، إضافة الى دورها كوسيط في حل الخلافات السياسية وبؤر التوتر الطائفي في منطقة الشرق الأوسط، بدلا من ان تكون طرف في معادلة "الرعب المذهبي" او سببا في توتر العلاقات والدعوات للحرب وزيادة التسليح وإقامة التحالفات العسكرية وغيرها من الأمور التي يمكن ان تضر بأمن المنطقة برمتها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2