في بلد مثل اليمن؛ الجزء الشمالي منه، والذي يتعرض لضغوطات جمّة، من حصار اقتصادي، وقصف جوي، ومواجهات عسكرية مستمرة مع قوات موالية لما يسمى بالتحالف العربي (السعودية والامارات)، لا يقاتل الرجل فقط، ولا تقف المرأة وحدها في الخطوط الخلفية، إنما يقف معهم الطفل الصغير وهو ينتظم في وقفة احتجاجية ضد الوضع السيئ المفروض عليه، ليخاطب العالم في يومه العالمي؛ يوم الطفل، سائلاً إياه عما جنته يداه الصغيرتان حتى يتعرض للجوع والأوبئة والموت.

في محافظة عمران باليمن جرى تنظيم وقفة احتجاجية لعدد من الاطفال الصغار أمام مقر فرع منظمة رعاية الطفولة التابع للامم المتحدة، حاملين لافتات كتب عليها: "أين انتم من التزام حقوق الاطفال في اليمن"؟

هذا الصوت الخافت يسجل موقفاً كبيراً امام الرأي العام العالمي بأن الاطفال المضطهدين في اليمن لن يبقوا في بيوتهم ينتظرون لحظة القصف الجوي، او يشهدون حالة العوز المرير لذويهم من عدم تمكنهم من معالجتهم او توفير لقمة العيش الكريم لهم، فضلاً عن الخدمات التي يحظى بها الاطفال الآخرون في البلاد القريبة منهم.

الاطفال اليمانيون ليسوا وحدهم من يعاني شظف العيش والحرمان والتعسف، إنما هنا في العراق من يشترك معهم في التعرض لاضطهاد من نوع آخر، فمن ينتظم في صفوف التعليم، يواجه أزمات عدّة ومتشابكة، كثُر الحديث عنها، ليس أقلها الصفوف المكتظة بالتلاميذ، والبرد القارص في الشتاء بسبب الزجاج المهشم، والحر القائض في الصيف بسبب فقدان المراوح، والظلام في وقت الدوام المسائي، وغيرها كثير من المشاكل الخدمية والادارية والمنهجية، أما من ينتظم في صفوف الباحثين عن عمل في الشوارع والاسواق فهو غني عن التعريف، وقد مُلئت منه القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي، وما يعانيه من ثقل المسؤولية الاجتماعية.

طيلة حوالي الشهر من بدء الاحتجاجات والاعتصامات في بغداد ومدن الوسط والجنوب كان من المتوقع أن يكون للطفل والتلميذ العراقي مكانه المميز في الميدان ليسجل موقفه الخاص من الفساد والظلم الذي يحتج ضده المتظاهرون، لاسيما وأنه تنحّى عن الدراسة حوالي شهر من بدء الاحتجاجات بسبب الاضراب الذي أعلنته نقابة المعلمين للضغط على الحكومة والبرلمان لتلبية مطالب المتظاهرين، ومنها استقالة الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة بقانون انتخابات جديد يمنع عودة الاحزاب السياسية الى الاستئثار بالثروات والامكانات.

ورب سائل عن سبب غياب اللافتات الداعية الى تغيير جذري وحقيقي للوضع التعليمي برمته، في ساحات الاعتصام وفي مقدمة التظاهرات الاحتجاجية يحملها التلاميذ الصغار، وما يكشف جانباً من الفساد والظلم الذي تتعرض له هذه الشريحة الطلابية المهمّشة؟

ما حصل طيلة الايام الماضية، هدر مريع للزمن وتضييع فرص كبيرة لإيصال صوت الطفل العراقي ومنهم التلاميذ، الى مسامع الفاسدين والمتحكمين بالسلطة في بغداد، ولعل الوقفات الاحتجاجية للتلاميذ داخل مدارسهم، لا يقل وقعها الاعلامي داخلياً وخارجياً عما يقوم به الكبار في ساحات الاعتصام، وذلك لسببين من جملة أسباب:

الأول: البراءة المحضة في جوهر الخطاب، وعدم اختلاطه بأي نوايا وأغراض شخصية، فما ينادي به الطفل يعبر عن خطاب إنساني بحت لا يماري فيه أحد، ولا يدع مجالاً للتشكيك لأي سبب كان.

أما السبب الثاني: وهو الأكثر اهمية؛ تعزيز المصداقية لسلسلة المطالبات المرفوعة في ساحات الاعتصام، في مقدمتها؛ الإصلاح، والقضاء على الفساد وهدر الثروة بما يحقق النمو والتطور في الحاضر والمستقبل.

فاذا كان الشباب وطلبة الجامعات يعدون أنفسهم حماة الحراك الجماهيري المعارض وأنهم المعنيون أكثر من غيرهم بعملية التغيير الكبير في العراق، كونهم يمثلون داينمو العجلة الاقتصادية، وأنهم قادرون على أن يكونوا البديل السياسي النزيه في قادم الأيام، فان التلاميذ الصغار يمثلون المواد الأولية الاساس في صناعة هذا الداينمو المحرك، وهم منطلق الجيل الجديد.

إن التلميذ الصغير عندما يشعر أنه ذو قيمة كبيرة في مجتمعه، وانه قادر على التعبير عن رأيه بالاحتجاج على مجمل الاوضاع السيئة في مدرسته، سيكون ذو رؤية واضحة وأهداف محددة وهو شاب على مقعد الجامعة، يعرف ما يريد، ويدرك أبعاد ما يقوم به من أعمال.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

10