تغيير العادات والظواهر الاجتماعية السيئة، قبل أن تكون دعوات من العلماء والوجهاء، أو تكون افكار ونظريات، هي خطوات عملية شجاعة من وسط المجتمع تبشر بما هو أفضل من عادات حسنة من شأنها حماية المجتمع من التصدّعات والتمزق، وهو ما جاء في سيرة النبي الأكرم، محمد، صلى الله عليه وآله، وهو في عمر الشباب، وقبل أن يبعث نبيا.

النبي؛ وهو شاب في العشرين من عمره، كان يعيش في المجتمع المكّي ذو العادات والقوانين التي كانت معظمها مناقضة للفضيلة والانسانية، وربما هي انعكاس للنظريات الاجتماعية السائدة في الاقوام الماضية وتسربت الى عرب الجزيرة العربية، منها؛ السيطرة للأقوى، فحصل أن رجلاً من بني أسد وفد مكة في تجارة له، فاشترى بضاعته العاص بن وائل السهمي وأبى أن يدفع ثمنها له، فمضى الى قبائل قريش يستنجدهم فلم يلتفت اليه أحد، فما كان منه إلا أن يصعد جبل أبي قبيس وأنشد بأعلى صوته:

يا آل فهر لمظلوم بضاعته ببطن مكة نائي الدار والنفر

ومحرم أشعث لم يقض عمرته يا للرجال وبين الحجر والحجر

أن الحرام لمن تمت كرامته ولا حرام بثوب الفاجر الغدر

فاجتمع نفرٌ من قريش في دار عبد الله بن جدعان وتعاهدوا على أن يأخذوا لهذا المظلوم حقه، واتفقوا على الوقوف بوجه الظلم والبغي، وجاء في تاريخ اليعقوبي أن بين المجتمعين بنو هاشم، وبنو أسد، وبنو زهرة، فقالت قبائل قريش ان هذا فضول من الحلف، ومنذ ذلك الحين أطلق عليه "حلف الفضول"، ومن بني هاشم كان أبرز المشاركين؛ عبد المطلب، والزبير، أبوطالب، والنبي الأكرم، وعن هذه المبادرة المبتكرة قال النبي: "حضرت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما يسرني به حُمر النعم ولو دعيت الى مثله لأجبت"، كناية منه ، صلى الله عليه وآله، على القيمة العالية لهذه المبادرة.

وبعد بزوغ فجر الاسلام، وانتظام المجتمع بقوانين وأحكام سماوية، لم تتغير طبيعة بعض النفوس العصية على الفضيلة والحق والأخلاق الحسنة، رغم الآيات الصريحة والأحاديث المتواترة الداعية للعدل والمساواة واحترام حقوق الآخرين، وسائر القيم الاخلاقية، فنرى البعض ينزع نحو التطاول على حقوق الآخرين بمختلف الاشكال الامر الذي جعل الناس بعد وفاة النبي الاكرم، يحنون الى تلك التجربة الاجتماعية الناجحة، لاسيما في العهد الأموي، واستيلاء الأمويين بالكامل على مقاليد الحكم.

وعودتهم الى تقاليدهم وقوانينهم الجاهلية، كما فعل الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، والي معاوية على المدينة عندما أنكر على الامام الحسين، عليه السلام، حقه في مال له، فهدده الامام بإعادة العمل بحلف الفضول، وكان ذلك في مجلس يحضره أعيان المسلمين منهم؛ عبد الله بن الزبير، و المسور بن مخزمة بن نوفل الزهري، فاعلنا تضامنهما مع الامام الحسين، على أن يجردا سيفهما ضد مغتصب الحقوق، ولما شاع أمر التهديد وانضمام أعيان ووجوه المسلمين الى فكرة الحلف، تراجع الوليد عن غيّه، وأعاد للإمام الحسين حقه.

هذه الواقعة دلت على أمرين:

الاول: أن النبي الأكرم، وأهل البيت، عليهم السلام، يذكرون الناس بهذه التجربة الاجتماعية الرائدة لإحياء القيم الاخلاقية والانسانية في النفوس، وحثّ الناس لعمل الخير ونبذ العدوان والبغي في العلاقات الاجتماعية.

الامر الثاني: استشعار السلطة الخوف من نشاط كهذا، يبدأ اجتماعياً ويمتد وينتهي سياسياً بتعرضه الى النظام السياسي القائم على الفساد والاستئثار بالثروة.

في الوقت الحاضر نجد القبائل والعشائر في عديد المجتمعات الاسلامية، ومنها؛ العراق، تمارس دور الوساطة لحل الازمات والمشاكل، إنما الفارق في أن مجالس الوساطة هذه تختص بعشيرة بعينها تهتم بمن ينتمي اليها، ولا شأن لها بأفراد العشائر الاخرى، في حين إن التجربة الاسلامية ذات البعد الحضاري، تدعو لاحتضان أي مكروب أو مأزوم من افراد المجتمع، بغضّ النظر عن انتمائه الطائفي او العرقي، او القومي.

وجود حراك اجتماعي من هذا النوع من شأنه تذكير النظام السياسي الحاكم في العراق، وأي نظام سياسي آخر بأن هنالك بدائل للمجتمع يلجأ اليها عندما تضيق به السبل، ويجد المظلوم، والمنتهكة حقوقه، أنه وحيد؛ سواءً في السوق، أو في الدائرة الحكومية، وأي مكان آخر.

وهذا لا يعني بأي حال من الاحوال، إن اتفاق جماعة من الناس تحت أي عنوان، يعني أنها بديلاً عن مؤسسات الدولة، وأهمها؛ القضاء، إنما العبرة في إعادة الحقوق الى نصابها وفق موازين معروفة وثابتة تحكّم قيم الحق ربما تضيع وسط بنود وفقرات في القوانين الوضعية، لاسيما ما يتعلق بالعمل والسكن والاحوال الشخصية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1