اشترط السيد رئيس الوزراء عادل عبد المهدي لاستقالته ترشيح بديل مقبول، وهو ما أكده السيد رئيس الجمهورية في خطابه الأخير، لكن صفة المقبول ظلت عائمة من دون أن يحددها الرئيسان حالها حال الكثير من المصطلحات الضبابية التي ازدحم بها الدستور، ما جعلها قابلة للتأويل كل بحسب هواه، ونضع خطين تحت البديل المقبول، لنقول مقبول ممن؟ من جماهير ساحة التحرير، أم من جميع الشركاء بالعملية السياسية، أم من الكتلتين الكبيرتين في البرلمان وهما سائرون والفتح اللتين رشحتا فيما سبق عبد المهدي لتنقلبا عليه في هذه المرحلة، وتطلبان منه الرحيل بعد ان ضاق الشعب ذرعا بالخراب الذي خلفته العملية السياسية؟.

لكننا لم نسمع من قبل مثل هذه المطالبة، بل كان عبد المهدي بنظرهما الرجل الهادئ والمنظر الرصين، والزاهد بكل شيء وأولها المناصب، والشخصية التي تحظى بمقبولية جميع الكتل، فضلا عن قبوله من قوى أجنبية مؤثرة في المشهد العراقي، فالجماهير لا تريد مقبولا من الخارج او من الأحزاب الصغيرة منها والكبيرة، فقد رفضتها بمختلف أشكالها اسلامية وعلمانية، وحملتّها مسؤولية ما جرى ويجري.

بل وجدت فيها قوى غير أمينة على حاضر العراق ومستقبله، ولم يكن بمقدورها التحرر من تبعيتها لهذا الطرف الاجنبي او ذاك، وبالتالي فان التوافق بين الكتل الحالية سواء بمجموعها او بالكبيرة منها لن ينتج جديدا، بل سيكون رئيس الوزراء الجديد أسيرا لها ولرعاتها، ثم من هو الوجه السياسي الذي ترى الجماهير فيه الأمانة والارادة والشجاعة والوطنية ليشغل هذا المنصب، لقد جربوا الجميع في المناصب التي هم فيها ولم يروا منهم مَنْ يصلح أن يكون قائدا لهذه المرحلة المفصلية من تاريخنا.

وعليه لابد أن يكون البديل مقبولا من الجماهير الهادرة في ساحة التحرير والتي لن تهدأ قبل أن تتحقق مطالبها المتمثلة بجعل العراق وطننا حقيقيا، يشعر الناس بفخر الانتماء اليه، وتحظى فيه بالاحترام بين الشعوب الاخرى، لكن لا يمكن للوطن ان يكون بهذا الشكل مالم يكن دولة متحضرة ومعاصرة، وتستند الى العمل المؤسسي الذي يقوده المشهود لهم بالكفاءة والخبرة، وهذا ما انتهى اليه السيد عبد المهدي بعد تجربة مريرة من الفشل سرقت جزءا ليس بالقصير من أعمارنا، وبالتأكيد ان الجيل الجديد الذي رآه في ساحة التحرير وغيرها هو الذي جعله يقر ويعترف بحقيقة لطالما تجاهلتها قوى الاسلام السياسي بثيابها المتعددة واولئك الذين لم يشغلهم سوى الهيمنة على منجم الذهب.

والآن الجميع يريد ركوب الموجة، بكلام مفضوح ما عاد ينطلي على أحد، فأين كنتم يوم تضورت الناس مهانة وشبعت ذلا، فأفضلكم كان صامتا، وغالبكم كان خنوعا لملوك الشمع، لقد خلصت الجماهير الى ان التغيير الحقيقي ليس على أيديكم، فلستم مؤهلين للتغيير، وليس فيكم بديلا مقبولا من الجماهير.

والسؤال: كيف الوصول لبديل يتبادل مع الجماهير التحايا من على سطح المطعم التركي بوصفه رمزا لشعب حي يمرض ولا يموت. امامنا بديلان وما سواهما قد يذهب بالبلاد الى المجاهيل على حد قولكم، ومن المجاهيل ما ينتج عن التوافق الذي يراد تكرار السير عليه، وهذا لن يسكت الصوت الهادر، وان تمكنت قوى مكافحة الشغب من معالجته وقمعه، لكن المكبوت سيظل قابلا للانفجار مع أي شرارة.

والمرجح أن تكون من الذين لا يريدون للعراقيين خيرا، لذا فالرأي يذهب الى تشكيل حكومة مؤقتة بسقف زمني معلوم لحين تعديل الدستور وتشريع قانون عادل للانتخابات يكتبه خبراء في القانون والسياسة وليس من السياسيين الحاليين، واختيار مفوضية للانتخابات من القضاة، يعقبها اجراء انتخابات برلمانية الفائز فيها هو من يشكل الحكومة، وهو البديل المقبول، ولابد من اطلاق حرية رئيس الوزراء لاختيار فريقه من غير البرلمانيين، ليكون مسؤولا عن ادارته، ولا يتذرع بتأثير من رشحه او الشركاء الذين معه.

وعند ذاك سنجد برلمانا متفرغا لعمله التشريعي والرقابي، وليس فيه من يسيل لعابه لمغريات المؤسسات التنفيذية، وفي حال تعذر ذلك، فليس أمامنا من خيار سوى تسليم السلطة للجيش مؤقتا ليقوم مقام الحكومة المؤقتة واجراء الخطوات الاصلاحية المطلوبة، وهذان خياران يتوافقان مع ثوابت الدستور، ويمكن أن يقنعا الجماهير بحدود مقبولة، وان كانت تتطلع لما هو أبعد، لكنه يحتاج الى انقلاب دستوري.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3