ماذا بعد الاتفاق النووي؟ هو سؤال اليوم التالي، والذي اجتمع عليه قادة الدول الخليجية وهم يحزمون امتعتهم باتجاه كامب ديفيد.

كامب ديفيد التي اقترن صيتها باتفاقات السلام الاسرائيلية – المصرية، والتي شكلت شرخا في العلاقات العربية – العربية ايام الرئيس المصري الاسبق انور السادات، تعود هذه المرة لتحاول ان تخيط شروخا عديدة في جسد البلدان العربية احدثتها انتفاضات في اكثر من بلد، وظهور داعش، وانهيار دول، واقتتال طاحن بين مكونات مجتمعية.

في مقاربته لاتفاق الإطار الذي توصلت اليه مجموعة (5 + 1) مع إيران حول برنامجها النووي، يعتبر اوباما انها (فرصة ذهبية لنزع تلك اللافتة من مكانها العتيق وللتخفيف من حالة الحرب الباردة المشتعلة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي كدرت صفو المنطقة لما يربو على 36 عاماً، غير أنها فرصة محفوفة بالكثير من الأخطار بالنسبة إلى أميركا وإسرائيل وحلفائنا من العرب السنّة، إذ يمكن إيران أن تتحول في نهاية الأمـر إلى دولة مسلحة نووياً).

ويقارن اوباما بين ميزان الانفاق العسكري الايراني ونظيره الامريكي، وهي اكثر بعشرين ضعفا للجانب الامريكي، ليخرج بنتيجة من هذه المقارنة «نحن أقوياء بما فيه الكفاية، وهكذا تدرك إيران أن لا طاقة لها على قتالنا».

لكن الاتفاق النووي ليس خاتمة المطاف بالنسبة للامريكان، يضيف اوباما قائلا: (قد تتغير إيران وإذا لم يصلها التغيير، فإن وسائل الردع لدينا كافية وقوتنا العسكرية الفائقة لا تزال موجودة وفاعلة).

ويرى اوباما ان (من الممكن أن نرى مقداراً من التوازن في المنطقة).

منذ مجيء اوباما الى سدة الحكم الرئاسي في امريكا، قدم تصورا جديدا لفلسفة القوة التي اعتمدت عليها في عهدها الجمهوري، وحتى قسم من الديمقراطيين انفسهم، ومفاد هذا التصور الجديد ينحصر في مسألتين مهمتين هما:

لا تريد الولايات المتحدة لعب دور الشرطي في الشرق الأوسط.

لا تريد إنفاق المزيد من البلايين والدم.

لكنها لا تستطيع بالتأكيد نفض يديها من مصير هذا الجزء من العالم. ليس فقط بسبب أمن النفط وأمن إسرائيل، بل أيضاً بسبب أمن أميركا والغرب.

مرد هذا التغير في التصورات الامريكية، ربما يعود في جزء كبير منه الى الاستراتيجية الأميركية الجديدة والقائمة على نقل ثقلها إلى المحيط الهادئ وجنوب شرقي آسيا، سعياً إلى احتواء التمدد الصيني.

لكن هذا التحول في سياسة إدارة الرئيس باراك أوباما حسب مراقبين ومهتمين، لا يعني تخليها عن المصالح الأميركية التاريخية في المنطقة. فهي لا تزال معنية بضمان تدفق النفط وحماية مناطقه وممراته الدولية. وبالحرص على عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، خصوصاً السلاح النووي. والهدف حماية أمن إسرائيل واستمرار تفوقها العسكري، ومنع سباق تسلح بين دول المنطقة. والأهم من ذلك حماية قدرتها هي وقدرة شركائها الأوروبيين على الردع.

الرئيس الأميركي سيستضيف قادة الخليج في البيت الأبيض في 13 من هذا الشهر، وفي كامب ديفيد في اليوم التالي، وهو سيحاول إقناعهم بأن الاتفاق النووي مع إيران سيفيدهم بمنع إيران من امتلاك قنبلة نووية، كما أنه قد يعرض على دول الخليج تعاوناً أمنياً للدفاع عن أي دولة عربية تتعرض لهجوم خارجي.

لكن يوسف العتيبة سفير أبوظبي في واشنطن يطالب الجانب الامريكي ان تكون الضمانات التي سيقدمها اوباما مكتوبة كي لايساء تفسيرها.

ووزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي يقول بكلام صريح ومباشر، بأنه إذا كانت النتائج التي ستتمخض عنها القمة هي مجرد تصريح عام أميركي عن التزام واشنطن أمن منطقة الخليج، أو مجرد الإفراج عن منظومة من منظومات الدفاع فإن هذا يعني، وفق الوزير، نتائج متواضعة أقل من المطمع والمطمح الخليجي.

الخليج يخشى النتائج المتواضعة من القمة، ويعلن مطالبه واضحة أولها، وفق الوزير الإماراتي، صياغة إطار مؤسسي متفـق عليه بين دول التعاون وواشنطن يتـــرجم تفصيلياً عبارة «الالتزام الأميركي بأمن الخليج»، وثانياً التزام سياسي أميـــركي بالتعامل الواضح مع الإفرازات النـــاجمة عن الاتفاق النووي الإيـــراني، بحيـــث يضمن الخليج أن السياسة الإيـــرانية في المنطقة لن تكون أكثر تمدداً أو أقل احتراماً لجيرانها، وثالثاً إجراءات فنية تتعلق بجوانب المنظومات الدفاعية ومسائل التعاون العسكري الأخرى.

من جهته، يقول لاري بلوتكين بوغارت المحلل السابق لدى سي اي ايه ويعمل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى ان "حلفاءنا في الخليج لن ينتظروا من الان وصاعدا ان تنتقل الولايات المتحدة الى التحرك. فهم يعتقدون ان رد الفعل الاميركي، في حال وجوده، ليس سريعا او قويا بما يكفي".

ويضيف بوغارت ان "الولايات المتحدة ودول الخليج تحتاج بعضها البعض" لكنه حذر من التوقعات المبالغ فيها التي قد تخرج من القمة. وختم قائلا ان "الافعال أكثر اهمية من الاقوال بالنسبة لدول الخليج. ففي غياب مبادرات اميركية في سوريا وغيرها، فان القلق ازاء الموقف الاميركي من إيران سيبقى مستمرا".

وزارتا الدفاع والخارجية الأميركية اعدتا جدول المفاوضات الخاص بهما، والذي يتضمن تطبيق نظام دفاع صاروخي محتمل في الخليج، وطرح مجالات أخرى لتوثيق التعاون، في ترجمة للحرص الأميركي على ضمان أمن الخليج، وإقناع القيادات الخليجية بأن تكون منسجمة في المواقف والرؤية مع الإدارة الأميركية حول هذا التعاون والتنسيق.

وكالة "رويترز" نقلت عن مسؤولين أميركيين قولهم: "هذا العرض قد تصحبه التزامات أمنية متطورة، ومبيعات أسلحة جديدة، ومناورات عسكرية مشتركة، في إطار مساعي أوباما لطمأنة دول الخليج العربية أن واشنطن لم تتخلَّ عنها. كما رجحت مصادر مطلعة أن يحث أوباما دول الخليج على بذل المزيد من الجهود لتحقيق التكامل بين جيوشها المتباينة، والعمل على إقامة درع مضادة للصواريخ للتصدي لخطر الصواريخ البالستية الإيرانية، وهذه الفكرة قد تتبلور في صورة مجموعة عمل مشتركة جديدة على مستوى عالٍ، تحت قيادة وزارة الدفاع الأميركية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1