المواطن العالمي وبخاصة الشباب وهم الجيل الاقرب الى روح العصر، يملكون وعيا كونيا بمصائر الكون والعبث الانساني في انظمته، وتأثيرات ذلك العبث السلبية على الكون والبيئة. وانطلاقا من هذا الوعي المتقدم، نزلوا الى الشوارع يطالبون قادة البشرية وحكامها، وبعضهم طغاة مستبدون، بفعل شيء لحماية الكون واصلاح الطبيعة...

نزل الاف الشباب، معظمهم طلبة، الى الشوارع في مظاهرات شملت العديد من المدن في العالم، مطالبين قادة العالم بعمل شيء لمواجهة التغير المناخي بدعوة من المراهقة السويدية گريتا ثانبيرغ البالغة ١٦ سنة من العمر.

لم يتظاهر هؤلاء الشباب المراهقون من اجل مطاليب تخص انفسهم، ولا طوائفهم واديانهم، ولا قومياتهم وبلدانهم، انما تظاهروا من اجل قضية تهم "بني ادم" في كل بقاع الارض، متجاوزين بذلك كل الحدود والتخوم والالوان والاديان واللغات التي تقسّم بني ادم الى شعوب وقبائل وطوائف، مؤكدين ولادة مفهوم جديد للمواطنة، هو المواطنة العالمية او المواطن العالمي.

العالم كله، او الكرة الارضية حيث يسكن حوالي ٧ مليارات انسان، هو وطن الانسان. فلا الحدود تحدد الاوطان، ولا الصفات تقيد المواطنة، فيكفي ان تكون انسانا لكي تكون مواطنا في وطنك الجديد الواسع الكبير، قياسا بالاوطان الفرعية، والصغير قياسا الى الكون الذي يتوسع باستمرار.

المواطنة العالمية اذْ تولد في ظل الاحتباس الحراري والتغير المناخي لا تحمل مكاسب جديدة، انما تحمّل الانسان هموما جديدة. فهذا العالم الصغير اضحى في حقبة الأنثروبوسين Anthropocene مثقلا بالمشاكل البيئية التي اوجدها الانسان. وهي حقبة مقترحة يعود تاريخها إلى بداية التأثير البشري الكبير على جيولوجيا الأرض والنظم الإيكولوجية ، بما في ذلك، تغير المناخ البشري المنشأ.

المواطن العالمي، وبخاصة الشباب وهم الجيل الاقرب الى روح العصر، يملكون وعيا كونيا بمصائر الكون والعبث الانساني في انظمته، وتأثيرات ذلك العبث السلبية على الكون والبيئة. وانطلاقا من هذا الوعي المتقدم، نزلوا الى الشوارع يطالبون قادة البشرية وحكامها، وبعضهم طغاة مستبدون، بفعل شيء لحماية الكون واصلاح الطبيعة.

الطبيعة هي العنصر الثاني من عناصر #المركب_الحضاري، ومن التفاعل بين الانسان (العنصر الاول) والطبيعة، عبر عناصر المركب الحضاري الثلاثة الاخرى (الزمن والعلم والعمل) ظهرت الحضارة الانسانية لاول مرة في وادي الرافدين الذي يضم العراق واجزاء من سوريا وتركيا، ثم اتسعت الظاهرة الحضارية شرقا وغربا حتى شملت العالم كله في خط تصاعدي متصل وصولا الى الحضارة العالمية الراهنة.

ومع كل انجازات الانسان الحضارية، الا ان مسيرته التاريخية نحو التكامل وتحسين ظروف الحياة صاحبتها نتائج عرضية سلبية كالحروب والانظمة الدكتاتورية وصولا الى الاحتباس الحراري والتغير المناخي. وكأن الانسان يحقق نبوءة ابليس إذْ قال: "أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ، لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلً". ولئن كان بعض البشر قد اهمل العناية بالعنصر الثاني من المركب الحضاري، او تنصل عن مسؤوليته في اصلاح الحال، فان الجيل الجديد من البشر، الشباب الذين تخطوا الحدود الاقليمية والدينية والعرقية واللغوية الخ، وامنوا بالانسانية الموحدة، والمواطنة العالمية، قد تولوا مسؤولية التحذير وقالوا على لسان ثانبيرغ بثقة عالية بالنفس:"سوف نجعل قادة العالم يتصرفون. سوف نفعل ذلك، سوف نفعل، ونحن قادرون على ذلك"، الامر الذي جعل صحيفة "انديبندنت" البريطانية تقول: الاطفال يقودون التظاهرات العالمية!

ونحن في العراق، نراقب هذا الحراك العالمي الذي سوف يساعدنا بادراك قوة الترابط بين الهموم المحلية والهموم العالمية، وان الهموم المحلية لا ينبغي ان تفصلنا عن الهموم العالمية وان لا نحبس انفسنا في القفص المحلي فنتجاهل ما يدور من حولنا في عالمنا الصغير. ويعلمنا الحراك العالمي ان الشباب هم قوة التغيير العالمية الذين يستطيعون بحضورهم الواعي في الساحة التاريخية، وبرفعهم الشعارات الصحيحة وبالتحلي بالثقة بالنفس والقدرة على العمل، قادرون على تغيير مجرى الاحداث في الساحة التاريخية.

المواطن العالمي قادر على تغيير العالم!.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق