في مصر هذه المرة جاءت الدعوة لتغيير النظام الحاكم من جهة غير متوقعة، حيث اطلق رجل الاعمال والمقاول محمد علي الذي يقيم في الخارج حملة لاسقاط نظام السيسي الذي جلس على كرسي الحكم بطريقة يصفها المراقبون بالانقلاب وعسكرة الحكم، ولكنه لم يكترث لتلك الاصوات ومضى غير آبها في ادارة شؤون البلاد بالاعتماد على مساعديه في القوات المسلحة ومحبيه في الاجهزة والوزارات الاخرى.

اصابع الاتهام لم تذهب بعيدا عن جماعة الاخوان المسلمين المصنفة ارهابيا من قبل السلطات في البلد والسؤال هنا اذا كانت تلك الجماعة الارهابية تعمل في ظل ظروف خاصة واجواء معتمة فيكيف لها ان تحدث هذا الحراك الشعبي والعمل على اسقاط نظام السيسي الدكتاوري حسب ما يزعمون؟.

ولكن من الخطأ ان نسلم لتلك الروايات التي تريد الصاق الامر بجماعة الاخوان كون الجماعة اوجعتها الضربات السيسية التي وجهت اليها في الآونة الاخيرة الى درجة انهم لم يخرجوا بوفاة الرئيس المنتخب محمد المرسي الذي يعتبر زعيمهم ومصدر قوتهم في وقت ما، وهذا بالتأكيد لا يبرئ ساحتهم من الاسهام ولو بنسبة قليلة في تحريك الرأي العام لدى ابناء الجماعة والشارع على حد سواء.

وقد تكون الرسالة التي اراد توصيلها محمد علي من خروج المتظاهرين هي أن هناك جهات غير قابلة بسياسة الرئيس السيسي العامة وهي ما عملت على تحريك رجل الاعمال وانتظرت ان ترى المشهد الحالي الذي تمر به مصر، محاولين بذلك الاطاحة بشخص السيسي كون الانتقاد الذي وجه يركز في اغلبه على عائلة الرئيس بصورة مباشرة وصريحة.

ويمكن الحديث هنا عن ان الخروج كان بدوافع عفوية ورغبة اصلاحية لاسيما وان الفقر بلغ نسبة اكثر من ثلاثين بالمئة الى جانب ما لفت اليه الشاب المقاول من بذخ واصراف واستهتار بالسلطة من قبل المتنفذين وحاشية السيسي، وهناك من اقتنع بهذا الكلام وخرج للتعبير عن السخط والضيم في داخله، اذ يعكس ذلك حجم الغليان والكبت على ممارسات الحكومة الحالية التي عملت ومنذ سنوات على تقوية جذورها وازالت اي خطر ممكن ان يحدق بها في المستقبل.

في جميع الثورات والاحتجاجات التي حصلت في مدن مصرية مختلفة نرى الشعب الثائر يعتبر القوات الامنية سندا له ومساهما كبيرا في احداث التغيير المنشود، لكن الامر اختلف هذه المرة، فنرى القوات الامنية بكافة تشكيلاتها تحكم قبضتها على المشهد الامني وقامت بحملة اعتقالات ضد بعض المتظاهرين، ما ينبأ عن عدم اشتراكها في حملة الرفض الشعبي للرئيس السيسي، وقلة المنخرطين في صفوف المعارضة.

الرئيس عبد الفتاح السيسي لن يستسلم لمناوئيه في السلطة بهذه البساطة فهو يحمل روح حربية وثقافة عسكرية ولا يمكن ان يتخلى عن عرشه الذي بناه بأساليب مختلفة قائم بعضها على الكذب والخداع، وآخرى قائمة على التغييرات الواقعية المتمثلة بالبنى التحتية واقامة المشاريع التنموية، لاسيما وانه قام بالتعديل الدستوري بعد تعهده بانه لم يقدم على اي تعديل ولكنه خالف قوله ولم يلتزم ومدد فترة الرئاسة الخاصة به الى ستة عشر عاما، ما يجيب على التساؤل المطروح سلفا، لماذا لم يسقط نظام السيسي في الوقت الحالي؟.

وقد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن وترغب به الجموع الثائرة لاسقاط النظام، اذ من الممكن ان تتأجج الروح الثورية في نفوس المتظاهرين وتعود بهم الذاكرة الى ثورة 25 يناير التي انهت نظام مبارك الذي جثم على صدورهم لسنوات، لكن هذا الامر يتوقف على حجم مشاركة الناشطين والسياسيين وتحريك الرأي العام واحداث تغيير ملحوظ في الشارع المصري وزيادة سخونته بما يضمن قلب الطاولة.

ما يضعف كفة السيسي هو ما تمر به المنطقة العربية من ظروف واحداث مختلفة ومتشعبة تجعل من حلفاءه (السعودية والامارات والبحرين....) منشغلين في الحروب الدائرة باليمن وسوريا، بالاضافة الى انشغال الادارة الامريكية بملف ايران القديم المتجدد في آن، فضلا عن حالة عدم الاستقرار التي تمر بها اسرائيل على خلفية انتخاباتها الاخيرة، ما يرجح احتمالية تخلي بعض الحلفاء عن السيسي وجعله وحيدا يواجه اعصار التغيير الذي قد يمتد الى بلدان عربية اخرى في حال نجاحه.

فأذا كتب للموجة المصرية الاخيرة النجاح وتنحية السيسي جانبا، فأن ذلك سيحقق بعض المكاسب لمناهضيه، اولها الافراج عن الاعداد الكبيرة من المعتقلين منذ سنوات وهم بأنتظار المحاكمة التي قد لا تحدث اصلا لكهنم يأملون ذلك لا اكثر، ويمكن ان يكون المتحقق الثاني هو عودة المطاردين من قبل الاجهزة الامنية لدواع تتعلق بآرائهم السياسية غير المنسجمة والسياسية الحالية، واخير تلك النجاحات فيمكن ان تخلق اجواء الحريات التي ستسود البلاد حالة من العدوى تنتقل الى البلدان المجاورة التي مر بها الربيع العربي ولم تحصد منه الا المزيد من الويل والحرمان، وخير دليل على ذلك ما يحصل منذ شهور في الجزائر والسودان مؤخرا.

لايمكن ان تمر الاحداث الجارية دون تخطيط من قبل جهات جماهرية، فقد شاركت جهات كثيرة بإعداد سيناريو الإطاحة بالسيسي، في الوقت الذي نلاحظ الغضب يخيم على نفوس المصريين والفقر اصبح مهدد للملايين، ولم نجد من يحاول الوقوف الى جانب الطبقات المسحوقة وتخفيف معانتهم المتزايدة يوما بعد آخر،فالتخطيط واضح إذن، إلا أن غير الواضح تماما هو مالهدف من هذا التخطيط؟.

ليس من الممكن ان نجزم بان الهدف الحقيقي من وراء المظاهرات التي عمت الشوراع في بعض المدن المصرية هو الخلاص من السيسي بصورة نهائية، فقد يكون للضغط عليه بشكل اكبر لتغيير سياسيته المنتهجة وفسح المجال لشركاءه في العلمية السياسية ليكون لهم رأي في الاحداث الدائرة والمواقف المختلفة.

واخيرا ما يضعنا بحيرة من امرنا هو مشاركة الرئيس السيسي في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة التي بدأت اعمالها في نيويورك، فربما تعطيه هذه المشاركة الطمأنينة من قبل الرئيس الامريكي ترامب بأن الاوضاع في جمهوريته ذاهبة نحو الاستقرار، لاسيما وانه وصفه قبل ايام بالدكتاتور المفضل، اي لم يحن الوقت لجلب البديل فالوقت غير مناسب ولاسعة لاحداث التغييرات.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2