منذ أن وضعت الحرب الباردة أوزارها، تحاول الأيدلوجيا الغربية تحديد الرؤية الغربية للعالم المعاصر وفق المنظور المعرفي الغربي، القائم على اختزال الأفكار والنظريات والحضارات في الدائرة الغربية. إذ تنكمش كل دوائر التعدد والتنوع لتتمركز في الواحد. إنه منظور معرفي يهدف إلى صنع ثقافة واحدة تتواصل من خلالها البشرية، ومنها تستلهم هويتها، التي ستصبح (وفق المنطق الغربي) هوية العالم.

لم يتطرق المنظور المعرفي الغربي، منذ تلك التطورات البنيوية والهيكلية، التي جرت في الكثير من بقاع المعمورة، إلى المشاكل المستعصية التي تعيش فيها الدول النامية وطرق حلها وتجاوزها. بل تطرق ومنذ البداية إلى ضرورة الثقافة الكونية، والمصالح الحيوية للعالم الحر، وأن التاريخ وصل إلى نهايته، بانتصار وتفوق النظرية الرأسمالية الغربية.

وينبغي القول أن مقولة نهاية الأيدلوجيا، ليست جديدة، وإنما هي جزء من البنية المعرفية للفكر الغربي.

لذلك نجد أن أكثر المطالبين بإبعاد الأيدلوجيا وموتها، أن كتاباتهم وأعمالهم مليئة بالنزعات الأيدلوجية. فكتاب بيل عن نهاية الأيدلوجيا أو كتاب ريمون آرون (أفيون المثقفين) أو نهاية التاريخ لـ(فوكوياما) نجدها مليئة بالمواقف الأيدلوجية التي تنطلق من الفلسفة والأيدلوجيا الرأسمالية والليبرالية. فقد اعتبر (بيل) و(فوكوياما) أن عصرنا يشهد نهاية أيدلوجيات القرن التاسع عشر وذلك بسقوط الإتحاد السوفيتي وتبعثر دوله ومعسكره الاشتراكي، فهم يعتقدون أن التطور التكنولوجي سيؤدي إلى نوع من التلاقي الأيدلوجي بمعنى هيمنة أيدلوجيا واحدة في العالم.

وبما أن الأيدلوجية الرأسمالية هي التي تملك حاليا زمام الأمور في العالم وينادي أقطابها بالكونية الثقافية هي التي ستكون أيدلوجيا العالم. ويلتقي مع هذه الرؤية والنظرية اليسار الجديد حيث يرى (ماركيز) أن الفروقات الطبقية في مجتمع الرأسمالية المتأخرة - العصر الحالي - تتداخل أو تقل حيث تتبرجز البرولتياريا وتفقد حسها وقدرتها الثورية وتقلد نمط حياة البرجوازية لأن البروليتاريا تتعرض لعملية غسيل دماغ أوقعتها في براثن المجتمع الاستهلاكي. وهذا هو الذي دفع بـ(ماركيز) نفسه إلى أن يتحدث ويدعو إلى تحالف بين رأس المال الكبير والطبقة العاملة.

والنتيجة التي يصل إليها (ماركيز) وأمثاله هي، بما أن الأيدلوجيات هي تعبير عن مصالح طبقات محددة، فإنه من خلال تذويب الطبقات تنعدم الفوارق الأيدلوجية.

لهذا فإن مقولة نهاية الأيدلوجيا ليست طارئة على الفكر الغربي، بل هي جزء من كيانه وبنيته الأساسية. إلا أن سقوط المعسكر الاشتراكي وتداعياته السياسية والاشتراكية وبروز النموذج الليبرالي الغربي في العالم، هو الذي دفع بمقولة موت الأيدلوجيا إلى الأمام. ولعل الأيدلوجيا التي حكم عليها الخطاب الفكري والسياسي الغربي بنهايتها، هي ذاتها أيدلوجيا النظام الدولي الجديد الذي ينفي عن نفسه الأيدلوجيا كمبرر لإخفاء أيدلوجيا التمركز الذاتي والسيطرة والإلغاء والنفي التي هي الأرضية الأساسية للفكر الغربي الحديث.

فليست الشيوعية سوى الغرب، فهو بالمقياس الفلسفي والمعرفي أكبر وريث لها أنتجه العقل الغربي في حقل التفكير الفلسفي الألماني والاقتصاد السياسي الإنجليزي والاجتماع الفرنسي. فهي امتداد للجدل الهيغلي وأنثربولوجيا الدين لفويرباخ وريعية ريكارد ووضعية كونت، وبالتالي فإن سقوط الإتحاد السوفيتي ومن ورائه الدول ذات المنحى الماركسي يكشف لنا بوضوح أن نهاية الأيدلوجيا ما هي إلا لعبة إمبريالية تسعى نحو تثبيت مقولة نهاية التاريخ وتعميم النموذج الرأسمالي الغربي.

وإذا تأملنا في إنتاج العقل الغربي المعاصر، نجد أن النزعة الأيدلوجية واضحة في تفاصيله وأهدافه ودوافعه. فلا إنتاج غربي لا موقع فيه للأيدلوجيا. ولهذا نرى في إطارنا العربي والإسلامي أن الأفق الثقافي الذي تحاول النظرية الغربية التبشير به وإقناع العالم العربي الإسلامي به يحتاج إلى وقفة تأمل ومساءلة لأنه أفق يدفع باتجاه التمرد على أهداف العالم العربي والإسلامي نفسه متمردة عن تطلعاته. ثقافة تجره إلى السفح أو تطير به فوق الضباب. إنه أفق ثقافي يعتبرنا مجتمعات غير ناضجة ثقافيا وفكريا وليست مكتملة حضاريا، ولابد أن يتدخل لصياغتنا من جديد طبقا لتصوره الخاص وأيدلوجيته الكونية! ولهذا نلاحظ أن النخب العربية وهي تحاول إعادة صياغة التفكير العربي لم تنطلق من بنية فكرية صلبة وذاتية.

بل من فكر ذي مشارب شتى فهو إما يؤكد على عامل الاقتصاد (في نطاق التفكير الاشتراكي) وإما يؤكد على السوق والاستثمار في ضوء فهم معكوس للعامل الاقتصادي في المجتمع. وبهذا أضحى الفكر العربي، موزعا بين خيارات ثقافية واستراتيجية، تحددت عناصرها وأشكالها على الأرض الغربية. وهكذا ينسى التاريخ وتبقى نظريات الغرب المجعولة حلولا لأزماتنا المتعددة والمستفحلة. فالمسألة ليست نهاية الأيدلوجيا بل هي اختراق متكامل لبنائنا النظري والعملي من الغرب. بحيث أضحت عناوين الغرب عناويننا واستراتيجياته إستراتيجيتنا واحتياجاته احتياجاتنا مخلين في سبيل ذلك كل السياق التاريخي ومراحل التطور الاقتصادي والاجتماعي الفاصلة بين الطرفين. إننا نعيش في دائرة مفرغة نحلل من خلالها واقعنا ونستشرف بأدواتها مستقبلنا.

ولهذا فإن مقولة موت الأيدلوجيا منسجمة والمنطق الحداثي الغربي. إذ أن الغرب وهو يمارس سيطرته وهيمنته على العالم الثالث، استفاد ووظف جيوشا من العلماء والمفكرين ورجال الإعلام والصحافة الذين يجهدون عقولهم في خلق النظريات والقناعات التي تفرز هذا التوجه وتكرسه في واقع العالم الثالث. ولم تكتف بذلك بل جعلت التاريخ يقف عند الأنموذج الغربي واعتبرته الأنموذج الأقصى والأمثل للبشرية جمعاء. إنها عقول تتحرك في اتجاه صنع نظريات علمية لا إنسانية. والعلم بعناوينه الكبرى وقواليبه المطاطة دخل في مؤامرة مع الأيدلوجيا الغربية لسحق الإنسان وبقاء هيمنة الغرب المطلقة على العالم الثالث.

وتاريخيا كانت العلموية الوضعية أساسا لكل حركة استعمارية استهدفت إنسان وثروة العالم الثالث. وبهذا أصيب الإنسان في إنسانيته بوساطات علمية لأنها كانت مدخلا غربيا لنهب الثروة والكرامة والهوية في العالم الثالث بأسره. لهذا من الضروري أن يبحث العقل الغربي عن أرضية انطلاقة بعيدة عن المسلمات الفلسفية الغربية التي لا ترى إلا نفسها وتطمح إلى تعميم مسلماتها وهياكلها ونماذجها على العالم بأسره.

ولهذا نجد أن الحديث عن موت الأيدلوجيا وانتهاء تأثيرها السياسي والاجتماعي والحضاري جاء متزامنا مع المتغيرات العالمية والدعوة لثقافة عالمية واقتصاد كوني وبالتالي فإن حمل هذه المقولة يخدم السياق الدولي الذي يتجه نحو فرض نمط حضاري واحد على العالم كله.

ونسي هؤلاء أن الأسئلة الكبرى والمشاريع الإستراتيجية التي تواجهنا في هذا العصر، تتطلب بشكل أو بآخر التزاما أيدلوجيا، يوفر الاهتمام بقضايا الإنسان والمجتمع الجوهرية والأدوات المعرفية والعملية التي تمكننا من تحديد الإجابات لتلك الأسئلة والأوعية المناسبة لتلك المشاريع. ودائما المعيارية التي تتعلق بالشؤون الكبرى والمسائل الأساسية تتطلب وجودا أيدلوجيا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5