إذا ظل الإصلاح يراوح في عالمنا العربي، لاسيما إزاء تحديث وتمدين الدولة وأساليب عملها وإشاعة الحريات الديمقراطية، خصوصا حريات التعبير والاعتقاد والتنظيم الحزبي والنقابي فضلاً عن الحق في المشاركة، باعتبارها حقوقا أساسية بعد حق الحياة، فإنه رغم كثرة الحديث عنه، إلاّ أن البدء الجدي للسير فيه مازال بطيئاً أو حتى متعثراً مع وجود بعض الاستثناءات الجنينية والتطورات التراكمية على محدوديتها.

تقاذفت الإصلاح توصيفات مختلفة يحمل بعضها شيئاً من الريبة أو التشكيك، فهو تارة إصلاح محمود وأخرى إصلاح مذموم، وإصلاح مفروض وإصلاح مطلوب، وإصلاح من الداخل وإصلاح من الخارج، وإصلاح فوقي وإصلاح تحتي وإصلاح سلمي وإصلاح عنفي وإصلاح جذري وإصلاح شكلي، وإصلاح منضبط وإصلاح منفلت.

وإذا كان الهدف من التوصيف هو تحديد المعاني والمباني والدلالات للبدء بالإصلاح، إلاّ أن هذا الأمر استغرق زمناً طويلاً ومازلنا ندور في نفس الدائرة دون إحراز تقدم كبير وملموس على هذا الصعيد، وحتى بعض التطورات التي حدثت في عدد من البلدان، جرى الالتفاف عليها أو التراجع عنها أو ظلّت بأحسن الأحوال محدودة، ولعل ظروفاً موضوعية وأخرى ذاتية ساهمت في ذلك منها ما حدث في 11 أيلول (سبتمبر) من عمل ارهابي أودى بحياة أكثر من 3 آلاف بريء في الولايات المتحدة، ثم استخدام مكافحة الارهاب عربياً وإقليمياً، بل على المستوى الدولي، ذريعة للتجاوز على الحريات المدنية والسياسية واتخاذ بعض الإجراءات بزعم مكافحة الظاهرة المستفحلة.

وإذا أضفنا إلى ذلك أن منطقتنا شهدت حروباً وحصارات مدمّرة عطلت من عملية التنمية، لاسيما بعد احتلال أفغانستان وغزو واحتلال العراق والحرب الإسرائيلية ضد لبنان وتجويع غزة والعدوان عليها وغيرها، وهذه موضوعياً سببت في نكوص الحريات والحقوق، ناهيكم عن استمرار السياسة الغربية في الكيل بمكيالين وتبدد الكثير من صدقية بعض الطروحات التي دعت إلى احترام حقوق الإنسان وإنجاز القول الديمقراطي، يضاف إليه ضعف المجتمع المدني العربي وعدم تمكّنه حتى الآن من أن يلعب دوراً اقتراحياً مؤثراً وشريكاً للحكومات، خصوصا من خلال أدائه المهني واستقلاليته، وهلع الكثير من الحكام من أن إرخاء قبضتهم أو تقديم تنازلات بإجراء إصلاحات، قد يؤدي الى هلاكهم أو يحدث نوعاً من الشرعية للمعارضات السياسية للانقضاض على السلطة لاسيما بعض الاتجاهات الإسلامية الراديكالية. هذه الأمور كانت موضوع نقاش ساخن ومعرفي في جامعة الدول العربية، وشارك الأمين العام عمرو موسى جانباً منها وأدارها السفير هشام يوسف.

لا بدّ من التأكيد أن الإصلاح ليس وصفة جاهزة ليتم أخذها مرة واحدة لشفاء أوضاعنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بل هو مسار طويل الأمد وعملية تغيير وتحوّل باتجاه الديمقراطية والحكم الصالح بتراكم وتدرّج وبناء للمؤسسات الدولية وتراكيبها وفقاً لقوانين وحقوق، هذا على صعيد الدولة، أما على الصعيد العالمي فالأمر يحتاج إلى بناء طويل الأمد يتم فيه إصلاح نظام العلاقات الدولية لتكون أكثر ديمقراطية، في ظل ظروف أخرى أكثر مساواة وعدلاً لاسيما إذا اتسمت بتعديل لموازين القوى على المستوى الدولي.

ثمة مقوّمات أمام الإصلاح في عالمنا العربي، سواءً على المستوى الداخلي أو على المستوى الخارجي، لعل أهمها خارجياً ممارسة القوى المتنفذة ضغوطاً مختلفة لفرض سياسات الاستتباع والهيمنة ونهب ثروات شعوب وأمم، وفرض حصار وممارسة سياسات القوة والتهديد واحتلال بلدان وارتكاب أعمال عدوان.

أما على الصعيد الداخلي فإضافة إلى عدم توافّر الإرادة السياسية، فهناك نقص في الثقافة الديمقراطية والحقوقية، وهيمنة خطاب متطرف في الكثير من البلدان، لاسيما في ظل تفشي الفقر والتفاوت الطبقي والاجتماعي وضعف أنظمة التعليم والتربية وتعارض الكثير من مناهجها لحقوق الإنسان وحقوق المرأة وازدراء حقوق الأقليات.

وتتذرع الكثير من التيارات الفكرية والسياسية في السلطة وخارجها وأحياناً من معارضاتها، بالدين وبالخصوصية الثقافية، وبالطبع بالموروث والعادات والتقاليد وتعبّر مجرد الحديث عن الديمقراطية، إنما هو «بدعة وضلال»، واضعة حجاباً وسوراً منيعاً مثل سور الصين لعزل بلداننا وشعوبنا عن ركب التطور العالمي، لاسيما إزاء المشترك الإنساني الذي هو جامع لبني البشر بغض النظر عن دينهم وقوميتهم وجنسيتهم ولونهم وجنسهم ولغتهم وغير ذلك.

يمكن القول إنه مهما جرت من محاولات للعيش خارج التاريخ، فلا يمكن عزل بلداننا عن العالم ونحن جزء منه لا نعيش في جزيرة نائية، خصوصاً أن العالم أصبح قرية كونية في ظل ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات، وإنْ لم يأتِ التغيير تطورياً تدريجياً في إطار سلمي وتراكمي، فإنه سيأتي عاصفاً ومدوّياً، ولعل مثل هذا التغيير سوف يعطّل ويعرقل عملية الإصلاح موضوعياً وذاتياً وتاريخياً ومستقبلياً، وسيكون كابحاً لعملية التطور، وحتى لو راهن الحكام أو بعض القوى المتطرفة على ادعاء «السيادة» و«عدم التدخل بالشؤون الداخلية» للانفراد بشعوبهم، فإن هذه الذريعة ستكون حجة عليهم وليس لهم، فالسيادة هي للشعب والوطن والمواطن، والمشترك الإنساني بين بني البشر يمكن أن ينتصر للإنسان وحقوقه وحرياته، ولا شك أن القوى المتنفذة ستنفذ من هذه الثغرات، يفرض هيمنتها بحجة الإصلاح حتى إن تطلب الأمر تدخلات عسكرية تقود الى نتائج كارثية وذميمة سواءً على الإنسان أو على صعيد الإصلاح المستقبلي، وهو ما ينبغي لبعض المعارضات أن تدركه فالتعويل على الخارجي قد يجلب معه الكوارث والمآسي.

إن دخول جامعة الدول العربية على خط الإصلاح وربط ذلك بالتنمية يمكن أن يشكل شراكة مع مؤسسات وقوى دولية لها أجندة خاصة مثل العديد من المؤسسات السويدية والدولية، وذلك بهدف نشر الثقافة الديمقراطية وثقافة المواطنة وقيم التسامح والمساواة على المستوى الوطني أو الدولي، إضافة الى أن هناك مجالات تعاون يمكن للمجتمع المدني وبالتعاون مع جامعة الدول العربية والمؤسسات الدولية ذات الصدقية أن يلعب دوره الإيجابي-الاقتراحي مثلما حصل في مؤتمر ديربن العام 2001، الذي حقق نجاحاً ملموساً، وهناك مجالات كثيرة مثل حقوق المرأة والأقليات والتربية والصحة والبيئة، وكل ما له علاقة بالمشترك الإنساني، خصوصاً التأهيل والتدريب والإعداد لبرامج ثقافية وحقوقية طويلة الأمد والتوجه إلى الجهات المستفيدة، لاسيما من النخب والجمهور، في ما يتعلق بالديمقراطية والانتخابات فضلاً عن حوار الثقافات والحضارات.

وأظن أن تجربة الحوار في إطار جامعة الدول العربية وبمشاركة خبراء ومفكرين من المجتمع المدني مع المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات (السويدية) كانت ناجحة ومفيدة ومثمرة، لاسيما لتعزيز الشراكة وتدقيق شروطها وأسسها، والبحث في آفاقها المستقبلية!.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0