لا يمكن للأحياء مهما قدموا للوطن ان يرتقوا الى مستوى ما جاد به الشهداء، فقد استرخص هؤلاء المواطنون أرواحهم دفاعا عن وطنهم وشعبهم، من دون أن يفكروا بثمن معين لتضحيتهم، ولا بمصير عوائلهم، ولا في زهرة شبابهم، لم يكن في حدقات عيونهم سوى العراق. ولذلك فهم أكرم الجميع، ولولا هذا الكرم الباذخ ما كان لحياتنا أن تستمر، وللأمن أن يتحقق، واذا كان هذا كرمهم، فان واجبا كبيرا يتحتم علينا القيام به ازاء عوائلهم، فنحن لا نكرم الشهداء، وانما نفيهم بعض الدين الذي في اعناقنا لهم، فليس بمقدورنا ايفائهم كل الدين، الا اذا نذرنا أرواحنا كما نذروا أرواحهم للوطن.

كما يفترض ان يرد الدين مباشرا وليس بعد حين، مثلما يجري حاليا بذريعة الاجراءات التي يهيمن عليها الروتين، والذين لا يقدرون قيمة الشهادة. ان التأخير في انجاز حقوق الشهداء جريمة ما بعدها جريمة، والمتلكئون في ذلك يجب محاسبتهم أشد الحساب، لابد ان تنعم عوائل الشهداء بأعلى راتب في سلم الرواتب، واظنه قليلا بحقهم، وان تتمتع بحياة كريمة هانئة ليس فيها عوز، وان يسكنوا في أحسن المنازل، فمن العار علينا جميعا من أعلى مسؤول الى أدناه عندما نرى ابن الشهيد او زوجته او والديه أذلاء تنخرهم الفاقة، والأبناء يستجدون في تقاطعات الطرق أو يبيعون الماء في أحسن الأحوال، او يتأوه الوالدان ألما لعدم قدرتهم على دفع اجور طبيب او مراجعة مستشفى، او يترك الأبناء الدراسة لتوفير لقمة العيش لعوائلهم، من الخزي ان يستغرق انجاز معاملة شهيد سنوات طوال تصل الى بضع سنين، كيف يحدث هذا، ومن المسؤول عنها؟.

ان ادراك قيمة الشهادة وايفائها استحقاقاتها بقدر ما هي وفاء للشهداء فانها درس مهم للمجتمع يعزز من استعداده للتضحية، فالتحديات والاطماع بهذا الوطن لم تنته ولن تنتهي، هكذا يقول التاريخ. اما ان ينعم المجتمع ومسؤوليه بمكاسب حققها الشهداء من دون عناية بعوائلهم ،فذلك الجحود بذاته ، وربما لن نجد لاحقا من يضع صدره ساترا لرصاص الاعداء، وسيغدو الوطن لا سامح الله نهبا لوحوش ضارية تقبع خلف الحدود، وبعضها مد مخالبه في وضح النهار وتحت مرأى من ادعوا القيادة ، لكنهم عاجزون عن قص تلك المخالب تحسبا او تواطئا او ايمانا بمشروع يظنوه نافعا بينما هو ضار بالبلاد والمجتمع.

ومع ان الشهداء يستحقون تعليق صورهم على الصدور، لكن وضعها على أعمدة الكهرباء والجدران في الشوارع والساحات لا يليق بمكانتهم، بخاصة وانها عرضة للتلف بسبب الظروف الجوية كالرياح والامطار والغبار والحرارة، بالرغم من تثميننا العالي لجهود الذين قاموا بذلك، مقدرين قيمة الشهداء بما تسمح به امكانياتهم، لكن قد يكون لذلك بعض الاضرار على المجتمع، اذ يكشف حجم خسائرنا البشرية، ويوحي بأن قيادتنا العسكرية ليست بالحنكة الكافية التي تمكنها من تحقيق الأهداف بأقل الخسائر، بما يشيع الاحباط في نفوس الشباب، مع ان العدو ليس تنظيما مستقلا يحركه ايمان ديني، بل تنظيم مخابراتي تديره قوى دولية يخشى مسؤولينا التصريح بأسمائها. لذلك ارى ان نصمم مزارا موحدا في كل محافظة يتوسطها جدار يضم جميع صور الشهداء واسمائهم، وان يكون هذا الجدار في حديقة غناء تخصص لها ملاكات ثابتة لصيانتها، وان يتسم هذا المكان بالشموخ من خلال تصاميم غير متشابهة يعدها فنانون بارزون من العراقيين وغير العراقيين، نريد لرمز الشهادة ان يكون مؤثرا، وان تتميز هذه الحديقة عن غيرها بما فيها من خدمات وأماكن للراحة تراعي فيها احتياجات الأطفال، بشكل يجعلها جاذبة للزوار أكثر من غيرها ، وهذا ما تجسد بحدود معينة كما رأيت في مدينة باكو بأذربيجان وكذلك في المزار الذي شيد تقديرا للمقاومة اللبنانية بمنطقة (منيتا) الواقعة شرق مدينة صيدا، سيكون الشهيد رقما عابرا ما لم نجعل منه رمزا، وهذا مشروع دولة وليس جهة بعينها.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1