كل اسبوع نصطدم بأخبار مقلقة عن المزيد من القتلى والجرحى نتيجة اطلاق النار او الطعن بالسكين او طوشات مختلفة. طبعا لا نعرف الدوافع لمثل هذه التصرفات، ولكن لا يوجد أي تبرير لهذه التصرفات في مجتمع مدني ينشد التطور وبات يعتبر من المجتمعات الأكثر تعليما، واجياله الجديدة تعتبر من طليعة المجتمعات البشرية بعدد حملة الشهادات الأكاديمية وعدد الدارسين في المعاهد الأكاديمية العليا، لدرجة ان عشرات الاف ابناء شعبنا الطلاب، ينطلقون للعالم الواسع من اجل العلم والتقدم العلمي.

لكننا بنفس الوقت، ما زلنا عالقين بتصرفات بعيدة تماما عن الجانب المشرق في تطورنا العلمي والحضاري. هذه الانجازات لم تأت بدون تضحيات من العائلة، بفهم الجيل الأكبر سنا ان مستقبل ابنائه، في الواقع السياسي والاجتماعي العنصري السائد، هو العلم والتقدم العلمي. رغم ذلك ما تزال فئات معينة تتصرف بما يتناقض بشكل كامل مع القفزات التي ننجزها، كأنها من عالم آخر لا يمت بصلنا لعالمنا.

اذن هذا التناقض بين الاندفاع للرقي الحضاري والعلمي، وتكاثر حوادث العنف في مجتمعنا، هو حالة نادرة في المجتمعات البشرية. هذه الحالة تحتاج الى دراسة للعمق، لفهم هذا التناقض، وهذه المفارقة المذهلة بين كوننا نتقدم أكاديميا وعلميا ونبرز كمجتمع حضاري يسابق المجتمعات المتقدمة بعدد الأكاديميين والمتعلمين، بينما في الواقع الاجتماعي نعاني من عنف من أوساط في مجتمعنا وكأنهم نبتة أخرى غريبة عن واقعنا.

حقا زملاء كتاب عالجوا الموضوع من زواياه المختلفة، كتبوا بقلق وغضب. وجهنا اللوم لجهاز الشرطة التي لا تقوم بلجم هذه الظاهرة. قبل اسبوع نشرت الشرطة خبرا عن كشف كميات كبيرة من السلاح في مدينة الناصرة. ربما تكفي لفتح جبهة حرب. لا اقول ان الشرطة تقوم بكل ما هو مطلوب للجم هذه الظاهرة، لكن التأكيد على دور الشرطة فقط، هو خطأ كبير، وفهم مشوه لظاهرة العنف التي تجتاح مجتمعنا.

البعض ذهب لتفسير الظاهرة علميا، كحالة من حالات علم النفس الاجتماعي. وهذا صحيح أيضا، واضيف ان فهم هذه الظواهر يحتاج الى دراسة تاريخية لتطور مجتمعنا، وفهم العوامل التي تقود مجموعات من مجتمعنا الى حل مشاكلها بالعنف.

طبعا هذه الدراسة لا يمكن ان تخلوا من دور السلطة الإسرائيلية وطرق تعالمها مع مجتمعنا. ان كان ذلك عبر فرض الحكم العسكري، وتقييد الحريات ومصادرة الأراضي، وهدم البلدات العربية، والتشريد، ومواجهة احتجاجات شعبنا بالنار، والتمييز العنصري بكل ما يخص المجتمع العربي.

السؤال هل ما نشهده اليوم هو نوع من التمرد الذي ترسب في نفوسنا من واقعنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي؟ نوع من رفض قطف الراس، نوجهه ضد بعضنا وليس ضد منفذ تلك السياسة؟

كل التفسيرات سليمة ولا خلاف عليها، لكننا كما الاحظ لم نضع يدنا على الأسباب الحقيقية لظاهرة العنف، بكل ابعادها، ليس بإطلاق النار فقط بل ايضا بالصراع المتعدد الأشكال حول الكثير من القضايا الاجتماعية والاقتصادية، التي تقودنا في الكثير من الحالات ليس الى الصدام الجسدي فقط، بل الى التوجه للقضاء، وكثيرا ما لا ينجح القضاء بتسوية الخلاف، وربما يعمقه ويعمق ظاهرة الصراع والخلاف وربما العنف بأبشع اشكاله ايضا.

لا اود الاطالة، لكني من معرفتي لواقعنا الاجتماعي ارى الكثير من الوقائع التي تقودنا الى العنف بكل اشكاله.

اولا نحن لسنا مجتمعا عاديا في تطوره. نحن مجتمع جزأته النكبة، وفقد مكانته المتقدمة كصاحب الوطن الأصلي، الانقلاب بواقع شعبنا كان حدثا كارثيا، ونكبة المهجرين من وطنهم هي أكثر بشاعة من واقعنا. انا شخصيا اختلف في هذا التقييم. وارى ان نكبة الباقين في وطنهم، بدأت اليوم تبدو بكل مآسيها واسقاطاتها العنيفة على مجتمعنا وانساننا العربي داخل اسرائيل.

نحن انتقلنا من اصحاب الوطن الى مواطنين غير معترف بنا الا كسكان درجة "ب" او ربما اقل من ذلك. قانون القومية جردنا رسميا من كامل انتمائنا لوطننا. لكن ذلك ليس البداية ولا النهاية.

بدون ان نفهم واقع التمييز الذي نعاني منه في مجتمعنا تحت سيطرة نظام عنصري، هدم حلمنا الوطني، ويهدم كل مسببات تطورنا كمجتمع في الواقع الجديد الذي نعيشه منذ نكبة شعبنا الفلسطيني، سنبقى عاجزين عن فهم الأسباب الحقيقة للنفسية العنيفة التي تسود اوساطا كثيرة من مجتمعنا، بعضها يجري التعبير عنه بعنف مدني ارهابي، وبعضها بصراع بأساليب متعددة. هذا الواقع يتناقض مع الجانب الرائع من مسيرتنا التعليمية وازدياد مكانتنا الأكاديمية بين المجتمعات البشرية. تناقض خطير جدير بدراسة اوسع. لكني سأضع بعض النقاط التي اراها وراء هذا التناقض بين كوننا من أبرز المجتمعات التي اصبحت نسبة حملة الشهادات الأكاديمية فيها تتجاوز المعدلات الدولية، لكن بنفس الوقت يزداد العنف المدني بأبشع صوره.

نحن واجهنا حالة انقلابية لواقعنا الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ترك أثره الهائل على علاقاتنا ومبنى مجتمعنا، من مجتمع قروي الى مجتمع اجبر على التحول الى مجتمع مدني بظروف القهر، وليس بالتطور الطبيعي.

لكن ذلك لم يكن نهاية المعاناة.

المجتمع العربي يعاني من اجحاف بالغ الخطورة، التمييز ضد المواطنين العرب يمارس من قبل كل مؤسسات الحكومة، وهو ليس وليد الصدفة، ولن يحل هذا الواقع بزيادة الموارد المالية المرصودة للمجتمع العربي. بدون تغيير جوهري بصورة أعمق واعادة النظر في اهداف سياسة السلطة بما يخص المواطنين العرب، وبتغيير جوهري من اجل اعادة رسم السياسة الرسمية الممارسة مع المواطنين العرب، سيبقى المجتمع العربي مجتمعا معزولا، الشرطة ليست هي الحل فقط هي جزء من الحل. ولا أرى انها بدون تخطيط سياسي أعمق من مؤسسة السلطة قادرة على اجراء تحول في واقعنا الاجتماعي يقلص مساحة العنف السائد. إن السياسة المتبعة (مثلا قانون القومية العنصري وهو ليس آخر المطاف او أسوأ ما حدث للمواطنين العرب) تواصل اعتبار العرب طوائف وليس قومية لها حقوقها، بل مجرد نزلاء، لدرجة ان اوساطا سياسية اسرائيلية كثيرة ما زالت تحلم بتشريد الأقلية العربية من وطنها، ولا ننسى حزب الترانسفير(التهجير) الذي كان حزبا شرعيا في اسرائيل.

المجتمعات التي تعاني من صراع اثني قومي داخلي تعتبر من اهم المواضيع التي تتناولها الدراسات السياسية بهدف الوصول الى جهاز سياسي مستقر يساهم بالتطور لكل المواطنين من كل الانتماءات الاثنية. هناك اسلوبان متبعان في عالمنا في الدول حيث تعيش قوميتان وثقافتان.

الأسلوب الأول هو اسلوب الهيمنة، والاسلوب الثاني هو اسلوب التسوية (البعض يسميه الحل الوسط).

في إسرائيل يسود أسلوب الهيمنة، تعتمد الدولة على الأكثرية الديموغرافية (السكانية) اليهودية، وعلى القوة الاقتصادية للمجتمع اليهودي وعلى سيطرتها على النظام السياسي وعدم إعطاء الجماهير العربية وممثليها أي مكانة سياسية في السلطة. أي سياسة عنف مبرمجة، ولا يخجل قادة الأحزاب اليهودية من التأكيد انه لا مكان لممثلين عرب في حكومات إسرائيل، طبعا ما عدا افراد لا يمثلون اطلاقا أي مطلب من مطالب الجماهير العربية، بل يعلنون أحيانا انهم صهاينة وداعمين للاحتلال!!

التسوية او الحل الوسط هو أسلوب متبع في عدة دولة منها بلجيكا سويسرا وغيرها، يعتمد على المساواة الكاملة للمواطنين، بكل مجالات الحياة والخدمات الحكومية. نجد ان هذه المجتمعات تخلو اطلاقا من ظواهر العنف القومي العنصري والفاشي الذي يتزايد مثلا في إسرائيل، ان كان بالقتل لأبناء الشعب الفلسطيني، أيضا داخل إسرائيل، كما حدث في يوم الأرض وانتفاضة الأقصى وغيرها (طبعا لا ننسى مجزرة كفر قاسم)، عدا ما يجري في المناطق المحتلة، وسياسة تضييق الخناق على البلدات العربية، بعدم تخصيص أراضي للبناء وسياسة هدم البيوت والتشريد المبرمجة.

لا استهجن ان عنفنا هو وليد العنف الذي نعيشه ووليد الضائقة التي نواجهها منذ النكبة رغم كل التحولات الايجابية في واقعنا، ولا أرى ان تقدمنا العلمي كان مخططا بل نشأ على قاعدة الوعي الذاتي واستعداد العائلات للتضحية من اجل مستقبل مختلف لأبنائها، رغم انف السلطة العنصرية.

عندما يصبح الطب في إسرائيل طبا عربيا، كيف يمكن ان نفهم قانون القومية الذي يجعل الطبيب العربي أيضا، الذي يعالج أبناء الشعب اليهودي غير معترف به بإطار قانون القومية العنصري؟ اليس هذا عنفا من أبشع أنواع العنف؟ طبعا قد يعترض البعض على هذا المدمج، لكني أصر ان عنفنا بجزء كبير منه، هو رد فعل على حالة القهر التي نعيشها، وللأسف فوهة المسدسات توجه ضدنا من أبنائنا، كنوع من الثقافة السلبية العدائية التي تجذرت فينا من واقع القهر الذي نعيشه.

nabiloudeh@gmail.com

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0