بعد خمس سنوات من الحرب العبثية على اليمن أعلنت الإمارات سحب قواتها من هناك بعد فشل حقيقي في تحقيق أي انتصار أو مكاسب في حرب مدمرة بأيدي وأموال عربية ضد شعب عربي. حرب مكلفة جدا وبالخصوص على الشعب اليمني حيث سقط خلالها الملايين من الضحايا وتعرضت البلاد للدمار، ومن جهة أخرى فهي حرب ذات تكلفة عالية على الصعيد المادي والسياسي على الرياض وأبو ظبي. لقد أصبحت الحرب تشكل عارا على الدول المشاركة وتسبب حرجا للمجتمع الدولي الساكت عليها، وقضية مثيرة من جانب المؤسسات والهيئات الحقوقية والإنسانية في العالم التي تطالب بإيقاف الحرب، ومنع بيع الأسلحة لتحالف الرياض.

الهروب

التبرير الرسمي لسلطات الإمارات حول قرار سحب قواتها من اليمن؛ هو الانتقال من استراتيجية القوة العسكرية إلى السلام. ولكن الانسحاب هو خطوة للهروب بذكاء وبأقل الخسائر الممكنة، والنزول من الطائرة بسلام قبل تعرضها للانفجار، رغم أنه جاء متأخرا كثيرا، قد خلف كارثة إنسانية على اليمنيين والعار للمعتدين، وسبب تصدعا وخلافا بين حكام اتحاد الإمارات كحكام دبي والفجيرة. فقد حذر محمد بن راشد حاكم دبي خلال اجتماع مع أبناء زايد حكام أبو ظبي، محمد وهزاع وطحنون، من أن: “صاروخا حوثيا واحدا على دبي كفيل بانهيار الاقتصاد وسيدمر كل شيء حققناه”. وطالب بضرورة خروج القوات الإماراتية من المستنقع اليمني. فيما عبر حكام الفجيرة عن قلقهم الشديد وخشيتهم من سياسة أبو ظبي الحالية المنفردة التي قد تجعل إمارتهم ساحة معركة مقبلة كونها واقعة على بحر عمان ومضيق هرمز.

هناك خلاف بين حكام الإمارات ولكن الفجوة اتسعت أكثر مع سيطرة أبناء زايد وبالخصوص محمد على القرارات المصيرية بشكل منفرد واضعاف دور حكام الإمارات ووصلت الأمور لتصفية حسابات كما يقع بين شيوخ أبو ظبي ودبي، وتسريب أخبار خاصة عن عائلة المكتوم كقضية هروب الأميرة هيا زوجة أمير دبي محمد بن راشد.

الإمارات شاركت السعودية بنشوة وعبر حملات إعلامية واستعراض للقوة والظن انهم قادرون على حسم الحرب وتحقيق نصر ساحق وهزيمة جماعة الحوثي خلال أيام باسم “معركة الحزم” ولكن عندما فشلوا في حسم المعركة غيروا اسمها إلى “معركة الأمل” ولكن الأمل لا يتحقق بالسلاح والدمار والتجويع والقتل، فقد جلب المزيد التحديات، في ظل قدرة أنصار الله "جماعة الحوثي" على المواجهة وتوجيه ضربات موجعة للرياض. وعندما تعرض العمق السعودي والإماراتي وخاصة المطارات والموانئ تغير الحال، وتغيرت حساباتهم وخاصة أبو ظبي، فهم يريدون أن يخوضوا حربا ضد اليمن بدون خسائر.

ارتباك وخوف

جاء انسحاب الإمارات بعد تصاعد التوتر بين أمريكا وإيران في الخليج، والتهديد بشن حرب على طهران، وتعرض عدد من سفن النفط للتفجير في ميناء الفجيرة، في فترة حرجة للرياض حيث كان العمق السعودي حينها يتعرض للقصف من قبل الحوثي بالطائرات المسيرة والصواريخ، واستهداف مضخات وأنابيب النفط التي تنقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ينبع على ساحل البحر الأحمر، وتعرض مطارات سعودية أخرى للقصف. وهذا سبب خوفا جديا لدى المسؤولين من تصاعد التوتر ونشوب حرب في الخليج، واندلاع حريق كبير في المنطقة وتحول الإمارات ساحة لنار الحرب المدمرة، وتحملها تكلفة إضافية باهظة.

وقبل إعلان الإمارات انسحابها من اليمن، ارسلت أبو ظبي وفدا رفيع المستوى الى طهران طلبا للتهدئة، يحمل عرضا من ثلاثة بنود: الانسحاب من اليمن، إعادة العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها، وتوفير حماية مشتركة من البلدين للممرات البحرية لتأمين تدفق النفط من كل الدول المطلة على الخليج. لكن الرد الإيراني كان الرفض لا التفاوض لأن الإمارات تجاوزت الخطوط الحمراء. الإمارات لجأت إلى روسيا للوساطة عند الإيرانيين، وخلال الزيارة قال وزير الخارجية عبد الله بن زايد إن بلاده غير معنية بأي تصعيد مع إيران. التصريح كان له أثره على الحوثيين ويفسر استمرار التركيز في القصف على الأهداف السعودية.

خيبة أمل سعودية

انسحاب الإمارات شكل مفاجأة صادمة للسعودية المتورطة في مستنقع الحرب على اليمن، والعاجزة عن حماية نفسها وأراضيها التي تتعرض للقصف والاستهداف بشكل مستمر. وقالت صحيفة “نيويورك تايمز”: هناك خيبة أمل لدى المسؤولين السعوديين من القرار الإماراتي، ولقد حاول المسؤولون في الديوان الملكي السعودي ثني الإمارات عن قرار الانسحاب، فالقرار أثار مخاوف في الرياض. وقد انتشر هشتاغ عبر مواقع التواصل تحت عنوان: “الإمارات_تطعن_السعودية” وهذا يدل على حجم الغضب السعودي. وقد حاولت الإمارات التقليل من قرارها المفاجئ بالانسحاب، بتسميته بالتدريجي وإعادة تموضع وانتشار وتخفيض للقوات الإماراتية وأسباب استراتيجية وتكتيكية، حتى لا يبدو كالهزيمة، وعدم اغضاب الشريك السعودي.

الحكومة السعودية وعبر متحدث للتحالف قالت إن الإمارات مستمرة في التحالف ولكن الحقيقة على الأرض أن السلطات الإماراتية سلمت مواقعها للقوات السعودية.

الرياض وحيدة

أصبحت السعودية وحيدة في ما يسمى بالتحالف العربي بقيادتها، متورطة وعاجزة عن صد الهجمات على أراضيها. وتتعرض الرياض بسبب ذلك لضغوط دولية وبالخصوص من قبل الجمعيات والهيئات الحقوقية، المطالبة بمنع بيع الأسلحة لها.

ومع ارتفاع تكلفة الحرب ماديا وسياسيا يبدو أن الرياض تبحث عن مخرج يحفظ هيبتها وغرورها، فقد ذكرت مصادر أخبار محاولة ولي العهد السعودي عقد صفقة مع جماعة الحوثي عبر وسطاء من القبائل اليمنية لإيقاف الحرب، على أن يسمح بتواجدهم شمال اليمن، بشرط أن يغضوا الطرف عن مد أنابيب النفط من السعودية عبر أراضي المهرة اليمنية، وعدم التدخل في الشأن الجنوبي.

فهل ستتخلى السعودية عن قبضتها العسكرية بعد 5 سنوات وتتجه للحلول السلمية عبر الحوار لإنقاذ نفسها من التورط أكثر في مستنقع اليمن وارتكاب المزيد من المجازر، بعد ان ارتبط اسمها بالاستبداد والحروب والدماء والتفنن بالقتل بالرصاص والطائرات والصواريخ الذكية والسيف والمنشار، وبعد ارتكابها جريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي التي تحولت إلى قضية رأي عالمية؟ فالحرب خسائر ودمار وعار.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0