كان التحرك السعودي الاخير باتجاه التصعيد العسكري في الازمة اليمنية قرارا تجاوز حدود الرتابة للقرارات السعودية في زمن حكم الملك السابق "عبد الله بن عبد العزيز" خلال السنوات الماضية، مثلما تجاوز تعيين "محمد بن سلمان" (29) عاما و"محمد بن نايف" (55) عاما لأقوى منصبين بعد منصب الملك وازاحة اقرب المنافسين المحتملين من داخل العائلة المالكة، الحدود التقليدية لاختيار الامراء لهذه الادوار القيادية.

وتوقع الكثير من المحللين (بناءً على هذه التطورات)، ان تحصل المزيد من المفاجآت القادمة في مناطق صراع النفوذ في الشرق الاوسط، سيما وان السعودية قد اعلنت بصورة صريحة بانها قادمة على مرحلة جديدة في التعاطي مع المسائل الحساسة التي قد تهدد فناءها الخلفي او مصالحها المباشرة او امنها القومي، وانها قد تبادر الى التدخل بصورة مباشرة اذا تطلب الامر منها ذلك، مثلما فعلت وتفعل من خلال تدخلها في عمليات "عاصفة الحزم" العسكرية مباشرة، والذي شاركك فيه "تحالف عربي" من تسع دول عربية بقيادة سعودية تحملت الجانب الاكبر من المشاركة الجوية (شاركت السعودية بمئة طائرة حربية)، او البرية (نشرت اكثر من مئة وخمسين الف جندي سعودي على الحدود البرية بين اليمن والسعودية)، او المالية (وان كانت التكلفة لا تعني شيء امام الاحتياطي النقدي الكبير الذي تملكه السعودية ويفوق الـ(700) ميار دولار، بينما لا تتجاوز الحملة العسكرية الـ(200) مليون دولار شهريا)، كما انها تحركت سياسيا لاستثمار علاقاتها الدبلوماسية مع دول كبيرة مثل مصر وتركيا وباكستان، والتي يمكن ان تتمخض عن تحالفات سياسية تعزز الدور السعودي الطامح لمساعدتها في تحقيق النجاح العسكري والسياسي في اليمن، التي يمكن ان تعتبرها السعودية (بقيادتها الجديدة) البوابة الرئيسية لنجاحها الخارجي بعد سلسلة التغييرات الاخيرة، وقد تشجعها (في حال نجاحها) للمضي قدما في تكرار "العواصف" في مناطق اخرى اكثر سخونة من اليمن.

بالمقابل فان ما يثير الباحث والمتابع للتحركات السعودية الاخيرة، الصمت الايراني الغريب حتى الان، والبرود غير المعتاد من الجانب الايراني (خصوصا التيار المحافظ)، ما خلا التصريحات المعتادة من قبل قيادات "الحرس الثوري" وبعض رجال الدين من خطباء الجمعة، مع اضافة الادانات الرسمية من قبل القنوات الدبلوماسية الايرانية التي اعتبرت الفعل السعودي "عدوانا" على بلد مستقل ويتمتع بسيادة كاملة على اراضيه.

كما لا يمكن اعتبار الاحتكاكات الجانبية، كحادثة طائرة الشحن الايرانية التي منعتها المقاتلات السعودية من الهبوط في مطار صنعاء، او حادثة احتجاز القوات الايرانية لسفينة الحاويات "إم في ميرسك تيغريس" التي ترفع علم جزر المارشال، بعد مغادرتها للسعودية باتجاه الإمارات، ولوجود اتفاق امريكي مع "جمهورية جزر المارشال" ارسلت الولايات لمتحدة الامريكية المدمرة "يو إس إس فاراغات" وعدد من طائرات المراقبة، تحرك فعلي مضاد من قبل ايران تجاه التحرك السعودي على الارض والجو البحر، اذ ان هذه الحوادث لم تكن لترتقي الى مستوى الصدام المباشر في جميع الاحول بين ايران وكل من السعودية والولايات المتحدة الامريكية.

وفي احدث تصريح رسمي اكد مساعد وزير الخارجية الايراني "حسين امير عبد اللهيان" بالقول "نحن نعتبر أمن اليمن من أمن المنطقة ومن أمن إيران، لن يكون مسموحا أن يلعب آخرون بأمننا المشترك من خلال مغامرات"، وأضاف "حان الوقت لكي تتوقف هذه المغامرات وليفكر الجميع في أمن المنطقة وفي القيام بدور بناء"، ومع هذا فان جملة من المراقبين يرون بان ردا ايرانيا ممكن الحدوث في مقابل التحركات السعودية، وان تأخير الردود قد يعطي الفرصة لاقتناص الافضل، سيما وان الحديث عن امكانية الغزو البري لليمن من قبل التحالف الذي تقوده السعودية ما زال قائما، فضلا عن عدم قيام الحوثيين باي رد قوي منذ بدء الحملة السعودية في اواخر شهر مارس الماضي، على الرغم من تأكيد السعودية بان الحوثيين قد استولوا على مخزونات الجيش من الصواريخ بعيدة المدى والتي يمكن ان تهدد المجالات الحيوية للمملكة في حال قرر "انصار الله" استخدامها في حرب مفتوحة تستهدف القيادة السعودي الجديدة.

ويمكن ان تقف وراء تأخر الرد الايراني او ضعفه عدة احتمالات منها:

- الصبر على التحركات السعودية من اجل ارتكاب المزيد من الاخطاء، ومن ثم استغلال أفضل هذه الاخطاء، من اجل تحقيق الرد المناسب.

- ان يكون الايرانيون قد تفاجئوا فعلا بالتحرك السعودي السريع والجريء، وربما هم بصدد اعادة تقييم لتحركاتهم المستقبلية في اليمن.

- تجنب ايران بالدخول في مواجهة مباشرة مع السعودية والولايات المتحدة الامريكية بشأن الازمة في اليمن وتركيزها على المحافظة على فرص نجاح المفاوضات النووية مع القوى الكبرى، وصولا الى توقيع الاتفاق النهائي في يوليو/حزيران القادم.

- عدم قدرة ايران على خوض المزيد من الصراعات التي تستنزف قدراتها الاقتصادية المنهكة بسبب العقوبات الغربية، خصوصا في ظل الاخفاقات الميدانية التي تواجه نظام الاسد في سوريا ودور ايران في مكافحة الارهاب في العراق، وغيرها من مناطق الصراع,

ومهما اختلفت التفسيرات والاسباب في تراجع إيران او صمتها امام السعودية في اليمن، فان خبراء ومتابعون يرون بان إيران تمتلك في جعبها الكثير من المفاجآت ايضا، وان تأخر الرد، ففي لعبة النفوذ والمصالح في الشرق الاوسط لا يعني الصمت الانسحاب او الهزيمة، بل قد يعني الهدوء الذي يسبق "عاصفة الحزم" او يليها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0