ظهر مفهوم بناء السلام الجديد في حقبة التسعينيات بعد ازدياد الحروب الأهلية في دول العالم الثالث، وهو مفهوم يحدد البنى الأساسية ويدعمها، والتي من شأنها تمتين السلام وترسيخه في سبيل تفادي العودة إلى الصراع، ويُعرَف بناء السلام على أنه "تشييد البنية الأساسية والهياكل التي تساعد أطراف النزاع على العبور من مرحلة النزاع إلى مرحلة السلام الايجابي"، ويُعرَف أيضا بأنه مفهوم "يضمّ العمليات التي تهدف إلى إنعاش المجتمع المدني وإعادة بناء البنية التحتية واستعادة المؤسسات التي حطمتها الحرب أو النزاعات الأهلية للمجتمعات، وقد تسعى هذه العمليات إلى إقامة هذه المؤسسات إذا لم تكن موجودة بما يمنع نشوب الحرب مرة أخرى."

ولا شك إن مهمة بناء السلام في المناطق التي شهدت نزاعات مسلحة تكاد تكون من أصعب المهام التي تواجه الحكومات والمنظمات الدولية بسبب حجم الدمار والخراب الذي تتسبب به هذه النزاعات المسلحة على المستويين المادي أو المعنوي، فتدمير البُنى التحتية من مؤسسات خدمية وأمنية يترافق مع تأثيرات سلبية على مستوى الفرد والمجتمع، فانعدام الخدمات والانفلات الأمني وشيوع الفوضى وعمليات القتل والتشريد وما تنتجه مستقبلاً من السعي للثأر والانتقام والشعور بعدم الثقة مابين أفراد المجتمع في ظل غياب القانون وضعف السلطة الحكومية الشرعية، تمثل مظاهر بارزة لمخلفات النزاعات المسلحة والحروب الأهلية.

إن عملية بناء السلام تستند على مرتكزات تعمل على توجيه الطاقة الناجمة عن النزاع نحو اتجاهات بناءة ومسالمة بدلا من اتجاهات مدمرة وعنيفة، وهي لا ترمي إلى إلغاء النزاع بل إلى إنتاج تغيير إيجابي، كما ان مهمة بناء السلام تتطلب جهوداً وطنية حثيثة ودعماً دولياً مخلصاً وحقيقياً، ويجب أن تشمل هذه العملية نطاقاً واسعاً من النشاطات والإجراءات منها:

1. رصد أي نشاطات مسلحة والعمل بشكل سريع لمعالجتها.

2. تسريح المقاتلين وإعادة دمجهم في المؤسسات المدنية، وحصر السلاح بيد أجهزة الدولة الرسمية، ومعالجة آثار الحرب من ألغام وعبوات ناسفة.

3. العمل على إعادة النازحين والمهجرين إلى مناطقهم المحررة وفق اطر إنسانية وقانونية.

4. معالجة الأسباب الحقيقية التي أدت إلى نشوب النزاع أو الحرب.

5. وضع خطة حقيقية ومتكاملة ودقيقة لتحقيق مصالحة وطنية فعلية وناجحة بعيدة عن المزايدات السياسية دون التجاوز على حقوق الضحايا والتأكيد على متابعة المجرم قضائيا والاقتصاص منه حصرا دون غيره.

6. إن عملية بناء السلام بحاجة إلى صانع سلام ناجح ذو مؤهلات معرفية وشخصية ودبلوماسية متميزة تجعله مقبولا كوسيط بين الأطراف المتنازعة من أجل نجاح عملية بناء السلام.

7. معالجة أي ثغرات على وجه السرعة يمكن أن تتسبب بالعودة إلى حالة الحرب بعد أن توقفت: مثل عمليات التخريب والحرق والسلب والنهب والانتقام من الأبرياء وعمليات الثأر، فالعمل بمبدأ العين بالعين يجعلنا جميعا نفقد البصر.

8. العمل بسرعة على عودة النشاطات الاقتصادية والخدمية إلى الحياة لأن ذلك يوفر الأساس اللازم للأمن والسلم.

9. إن عملية بناء السلام في المناطق المحررة تتطلب الوصول إلى اتفاق ليس مع الأصدقاء فحسب بل مع الأعداء أيضا وهذا يحتاج إلى فتح قناة اتصال معهم للوصول إلى تفاهمات مقبولة، مع استثناء من يرفض الحلول السلمية ولا يؤمن سوى بالقتال وسيلة لتحقيق المطالب.

10. من الأهمية أن نعمل على نشر قيم التسامح والسلام والعفو في المجتمعات التي عانت من النزاعات والحروب وعاشت مآسيها لأن غالبية أفراد هذه المجتمعات قد أيقنت تماماً انه لا مجال أمامها سوى القبول بالسلام، وإن العودة لحالة الحرب سيخلق المزيد من الكوارث والمآسي.

إن حكومة العبادي أمام تحديات كبيرة لا تقل أهمية عن تحرير المناطق الواقعة في قبضة داعش، الا وهي مهمة بناء السلام في المناطق التي تمّ تحريرها من سيطرة الاخير، فرغم انحسار نفوذ التنظيم في مناطق ومساحات واسعة، إلا إن المشاكل العديدة التي تواجهها الحكومة تحدّ كثيرا من قدرتها على إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل 9/6/2014، فالجيش العراقي غير قادر بمفرده على امتلاك زمام المبادرة في ضبط الأمن لأسباب عديدة منها الفساد الإداري والنقص في مستوى تسليحه وتدريبه، ولهذا لجأت الحكومة إلى تنظيمات الحشد الشعبي لمساندة الجيش في تحرير المناطق.

وتواجه المناطق المحررة مشكلة أخرى وهي صعوبة إعادة بناء ما دمرته الحرب فالعمليات العسكرية أدت إلى تدمير اغلب المؤسسات الحكومية وأعداد كبيرة من المنازل، وبهذا تحولت المدن إلى أماكن لا تتوفر فيها الاحتياجات اللازمة للعيش المناسب وفي ظل الأزمة المالية التي تعاني منها الحكومة العراقية فانه من الصعوبة إعادة أعمار هذه المناطق بسهولة بسبب المبالغ الضخمة التي تحتاجها عملية إعادة الأعمار إذ قدّرتها اللجنة المالية في البرلمان العراقي بـ 25 مليار دولار، وهذا ما لا يمكن توفيره خلال سنوات عدة بسبب الانخفاض الكبير لأسعار النفط المصدر الرئيس لدخل العراق وفي عدم وجود جهات مانحة دولية توفر هذه المبالغ لإعمار مناطق مازالت مهددة من داعش.

كما إن عدم وجود قيادة موحدة في المناطق السنية خلق حالة من الانقسامات الاجتماعية العميقة، وزاد ذلك عمليات القتل التي طالت أفرادا من العشائر القاطنة في تلك المناطق من قبل التنظيم، فالشعور بضرورة الأخذ بالثأر والانتقام من القتلة يكاد يكون هو السائد لدى سكان المناطق المحررة وهذا ما يشكّل تهديداً لجهود إحلال السلام وإعادة الحياة إلى طبيعتها في ظل ضعف قوة القانون والسلطة المسيطرة، كما إن التناحر السياسي بين أطراف العملية السياسية العراقية هو عقبة كبرى أمام بناء سلام حقيقي، فكل طرف يسعى إلى فرض رؤيته السياسية لما يجب أن يتم العمل به على ارض الواقع وهذا قد يعطّل مسيرة الوصول إلى السلام المنشود، والغريب إن العناد السياسي وعدم الثقة بالآخر دفع بعض مسؤولي مناطق النزاع إلى الدعوة لتدّخل عسكري عربي لمقاتلة داعش، ولا شك إن مثل هكذا دعوات تؤدي إلى زيادة التوتر وبالتالي قد تفاقم من الوضع السياسي بدلاً من تهدئته.

إن عملية بناء السلام هي عملية معقدة وشاقة، فنتائج وآثار الحروب مدمرة وعملية إصلاحها تحتاج إلى تضافر الجهود الوطنية والدولية والاهم إنها يجب أن تجعل من سكان مناطق النزاع الأدوات الحقيقية في تنفيذ خططها، ولا بأس بتقديم العون والدعم من قبل جهات أخرى من خارج المناطق محل النزاع من أجل الوصول إلى حالة سلام دائم ومستقر، كما إن من الأهمية بمكان أن نبيّن في هذا المقال إن عملية بناء السلام يجب أن لا تكون بمنظور سياسي وإنما يجب أن تعتمد على أسس علمية وفنية ومهنية بعيداً عن التجاذبات السياسية لأن الأشخاص الخبراء والمحايدين هم أقدر على النجاح في مثل هكذا عملية معقدة وكل ما يحتاجونه هو الدعم السياسي للأفكار والإجراءات التي يقومون بتنفيذها.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0