بعد أن أعلن المحقق الخاص لروبرت مولر عن تقريره المتعلق بتدخل روسيا في انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2016، والذي أقر بوجود هذا التدخل عبر استهداف حملة هيلاري كلينتون وبريدها الإلكتروني وصناعة حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي للنيل من المرشحة الديمقراطية وحملة حزبها، إلا أن مولر توصل إلى حقائق تناقض الإدعاءات المستمرة التي تفيد أن حملة دونالد ترامب متواطئة مع روسيا من أجل مساعدته في الفوز في الانتخابات.

وهذه ضربة موجعة للديمقراطيين في ظل قرب الانتخابات الرئاسية العام القادم التي يعول الديمقراطيون الفوز بها، خاصة بعد فوزهم بانتخابات التجديد النصفي لمجلس النواب، فقد تبنى الديمقراطيون خطاباً إتهاميا ضد الرئيس ترامب وإدارته بالتساهل مع الروس، وتم الترويج لهذه الاتهامات في وسائل الإعلام الأمريكية التي سعت إلى الانتقاص من الرئيس ترامب وربط مواقفه وسياساته المتراخية تجاه التجاوزات الروسية، والسعي وراء تقليص شعبيته، والتقليل من شأن أي أعمال إيجابية قام بها أو ينسب له الفضل ولإدارته فيها.

تقرير مولر أنهى هذه الرهانات، من جانب آخر، إذا ما أردنا تقييم مواقف ترامب من روسيا وقياس مدى مصداقية طروحات خصومه من ذلك، فعلينا أن نفصل بين كلمات الرئيس وبين سياساته.

يتفق الكثير مع الاتجاه الذي يرى أن أقوال وخطابات ترامب بخصوص الرئيس الروسي بوتين ليست بالقوة التي يمكن أن تواجه تجاوزات روسيا للمصالح الأمريكية، وتحتاج إلى صرامة أكبر بهذا الصدد، لكن حينما تتم مراجعة السياسات والمواقف سنعرف أن عالم السياسة الدولية يعتمد على القوة والواقعية، أكثر مما يعتمد على الخطابات المنمقة، التي امتازت بها على سبيل المثال إدارة باراك أوباما إزاء روسيا.

إن إدارة ترامب وحزبه في الكونغرس، تعاملوا حتى الآن مع روسيا بشكل أكثر صرامة مما تعامل أوباما معها. ولنأخذ مجموعة من المواقف والسياسات:

بعد أن احتلت روسيا إقليم القرم عام 2014 وتدخلت بالأزمة الأوكرانية، طلب القادة الأوكرانيون من الرئيس باراك أوباما المساعدة والتدخل وطلبوا منه تزويد الجيش الأوكراني بأنظمة صواريخ مضادة للدبابات قادرة للتصدي للدبابات الروسية المعروفة ب T72 التي اجتاحت شرق أوكرانيا. لكن أوباما لم يتعامل مع هذا الطلب ورفضه. في حين بعد وصول ترامب للرئاسة غير هذا النمط وتفاعل مع الأزمة الأوكرانية وزود الجيش الأوكراني بالأسلحة المضادة للدبابات (جافلن)، وهذا تغير مهم في مسار الأزمة يشكل قلقا كبيرا للروس فيما لو فكروا بخطوات أوسع في شرق أوكرانيا.

تردد باراك أوباما في نشر قوات أمريكية بالقرب من روسيا، في حين ترامب غير من هذا التردد وكان أكثر حسما، فقد دعم واحتضن بشكل كامل مبادرة الردع الأوربية وخلال سنتين من رئاسة ترامب طلب بحدود 17 مليار دولار من أجل هذه المبادرة المتعلقة بنشر الصواريخ قرب روسيا، في حين أوباما لم يطلب أكثر من 5 مليار دولار خلال آخر ثلاث سنوات من رئاسته التي استمرت ثماني سنوات، كما أرسل ترامب آلاف الجنود الأمريكيين إلى جانب جنود الحلفاء من الناتو إلى بولندا ودول البلطيق والنرويج لتحقيق مسار رادع ضد أي توسعات روسية محتملة في شرق أوروبا. في إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي صدرت عن البيت الأبيض عام 2018، فقد تضمنت أربعة مخاطر وجودية: أولها روسيا وتدخلها في أوكرانيا وسوريا رغم تغافل تدخلها في الانتخابات الأمريكية، لكن مع ذلك يشكل وضعها في أولويات تلك الإستراتيجية موقفا صارما تجاهها، إذ لم تفعل إدارة أوباما ذلك.

فيما يخص مواجهة داعش، كانت إدارة ترامب أكثر حزما في دعم التحالف الدولي في العراق وسوريا وتم تحرير الموصل والرقة ودير الزور الآن، في حين أعتمد أوباما على سياسة ما يعرف بالخط الأحمر التي لم يتم احترامها ولم يتحرك أوباما إزاء خرق تلك الخطوط، وهذا أدى إلى مخاطر سلبية سمحت بظهور داعش وتركت الأبواب مفتوحة للقوات الروسية وحلفاءها بأخذ زمام المبادرة في سوريا، في حين أن إدارة ترامب أطلقت عمليات عسكرية في الموصل والرقة والباغوز، وتزعمت التحالف الدولي لمواجهة داعش على الأرض وتمركزت على الحدود السورية العراقية في البوكمال والتنف.

كما استهدفت القوات الأمريكية مصالح إيرانية وسورية في الشعيرات وغيرها وفرضت عقوبات مباشرة ضد النظام السوري، واستهدفت حتى مصالح روسية على أرض سوريا حينما لم تستجب للتحذيرات الأمريكية ودمرت بشكل ممنهج. ورغم أن الرئيس ترامب أعلن سحب قواته من سوريا لكنه أبقى على بعض الجنود الأمريكيين ومن قوات الناتو للمراقبة والآن القوات الأمريكية بصدد التمركز في قواعد عسكرية في العراق لمراقبة إيران وروسيا.

ما يخص القوة العسكرية الأمريكية فقد عمد ترامب إلى إسنادها وزيادة ميزانية الدفاع في حين قلص أوباما ميزانية البنتاغون حوالي 25% من عام 2010 إلى 2016، وهذا أثر على عملية تحديث جيل الطائرات الأمريكية وأثر على جاهزية الجيش الأمريكي وتدنيها، لخوض أي معارك محتملة، وأن كانت محدودة إزاء تزايد التسلح الروسي والتركيز على زيادة أنتاج وبيع منظومات أس 300 و 400 إضافة إلى تطوير الصواريخ البالستية، مما ساعد على تشجيع بوتين للتموضع في سوريا وعدم الإنسحاب من أوكرانيا.

جمد الرئيس ترامب العمل بمعاهدة الصواريخ البالستية القصيرة ومتوسطة المدى الموقعة مع الاتحاد السوفيتي عام 1987، في حين وقع أوباما معاهدة ستارت الجديدة للحد من التسلح.

كل هذه السياسات والمواقف قد تنسجم مع ما جاء في تقرير مولر وتتناقض مع الادعاءات من جانب الديمقراطيين بتواطؤ ترامب مع روسيا في حملته الانتخابية، الذين سيعزمون القيام بأي شيء لمحاولة التشكيك بالتقرير ليتوافق مع رغباتهم وسيبقون رواية التواطؤ مستمرة في وسائل الإعلام الحليفة لهم وسيلجأون إلى بدائل حتما، لكن الذي حصل هو العكس تماما، فقد وضع وزير العدل بيل بار المسؤول عن النظر في التقرير بعد استلامه من مولر عقبات في طريقهم، ففي خلال جلسة استماع أمام اللجنة الفرعية في مجلس الشيوخ قال: "إن الديمقراطيين تجسسوا على حملة الرئيس ترامب الانتخابية وهذا سيدفع إلى فتح تحقيقات مضادة، وقد يطلب إخضاع متعهدو حملة هيلاري كلينتون للتحقيق نتيجة طلبهم من روسيا مساعدة للعثور على ما يسيء لسمعة ترامب لجعله يخسر حملته". إضافة إلى هدر موارد الحكومة الأمريكية ضد ترامب عبر تمويل تقرير مولر من جهة، وقبل ذلك تمويل عملاء روس للتجسس على حملة ترامب من جهة ثانية.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2019
http://mcsr.net

 

 

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0