يوم الثاني من اذار الجاري، عقد (منبر العقل) في الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق، ندوة بعنوان ( الإجتماع العراقي والملاذ الثقافي))، ضيّف فيها عددا من الاساتذة المختصين، وكانت لنا مداخلة على هامشها، اتت على خلفية طرح بعض الاساتذة، لظاهرة معاصرة، كثر الحديث فيها وعنها، مؤخرا، الا وهي الترييف الذي اكتسح المدن العراقية، وافقدها لمستها المدينية، ومنها العاصمة بغداد.

حديث الاساتذة الذين تعرضوا لهذه المسالة، ارتدى لبوسا اكاديميا، قام على وقائع واحصاءات، وكان في اغلبه دقيقا في وصف الظاهرة وشيوعها، لكن الذي دعانا الى المداخلة والتعقيب، هو الاجتهاد في وصف مسبباتها. اذ وجد احد الاساتذة ان ثورة 14 تموز قام بها ضباط ينتمون الى الطبقة الوسطى، فكان هذا المدخل الاول لترييف المدن العراقية، واخراجها من طابعها المديني، كونهم يحملون عقليات غير مدنية او من مرجعيات اجتماعية ريفية، بعد ان اقصوا الطبقة المدنية الارستقراطية التي كانت تحكم البلاد!

للاسف، نقول ان معالجة مسالة التمدّن والتريّف، خضع لمزاج املته تداعيات الحروب والحصار، الذي خلق ثقافة جديدة، سكنت عقول عدد غير قليل من النخب العراقية، وخلاصتها، ان ماحصل للعراق في العقود الاخيرة من القرن الماضي، سببه ثورة 14 تموز التي اربكت (المؤسسة السياسية العراقية) وجعلتها في ذمة الصراعات الحزبية والجهوية، ومثل هذا الطرح وجد له مريدون ومروجون من المتذمرين، الذي سعوا الى تكريس هذه الرؤية حتى باتت تجد لها مكانا في الطرح الثقافي والاكاديمي .. فهل حقا، ان ثورة تموز عملت على ترييف العراق ام العكس هو الصحيح؟ .. سنحاول وضع بعض الحقائق ونقول، ان العاصمة بغداد، لم تتريف في عهد الثورة، وانما تزاحمت على اطرافها العشوائيات البدائية وبشكل مخيف، بعد ان اخذ الفلاحون في الجنوب والوسط يهاجرون بشكل جماعي هربا من واقعهم المزري في ظل الاقطاع، فاكتظت عشوائيات (العاصمة والميزرة وشطيط) وغيرها بالهاربين منهم، ممن جاءوا يبحثون عن لقمة العيش بعد ان ضاقت بهم السبل، ولم يتحرك رجالات العهد الملكي، ويعقدوا ندوة واحدة لمناقشة هذه الظاهرة التي استفحلت، اضافة الى ذلك فان نسبة الامية في عراق ماقبل ثورة تموز كانت مرتفعة بشكل كبير، لاسيما في اوساط الفلاحين وتكاد تصل في بعض المناطق الى نسبة مائة بالمائة، باستثناء ابناء الاقطاعيين الذين توفرت لهم فرصة الدراسة في العراق وخارجه، فتمدنوا بالضرورة، وان كانوا من مرجعيات فلاحية .. بعد ثورة تموز حصلت معالجة للمشكلة، يختلف فيها البعض، اذ قامت الدولة بتامين السكن الحضاري لهؤلاء ودمجهم بالمجتمع، وان لم يستقر اغلبهم في تلك الاحياء في البداية، لعدم تكامل الخدمات فيها، وبعدها النسبي عن ميادين عمل اغلبهم ، لكن الذي حصل لاحقا، هو ان اغلب ابناء هؤلاء تحصلوا على فرصة جيدة للتعليم ووجدوا انفسهم ينتظمون في المدينة التي استوعبتهم وهذّبت سلوكهم، ليجدوا انفسهم بعد مدة قصيرة في المشتبك الثقافي والسياسي، وبرز من بينهم العديد من الاسماء اللامعة في المجالات الاكاديمية والثقافية والرياضية وغيرها، بل انهم اعطوا زخما غير مسبوق للعاصمة، كونهم جاءوا محملين بطموحات، استحضرت قهر السنين الماضية والحيف الذي لحق باهليهم .. ولعل نموذج مدينة (الثورة) المستقرة في اذهان الجميع، قبل ان تاتي الحروب والحصار، تعطينا تصورا عن حجم التمدن الذي حققته ثورة تموز وضباط الطبقة الاجتماعية الوسطى، الذين يرى البعض انهم من عشاق الترييف والتخلف!

لا شك ان اساس التمدن في أي بلد هو التعليم، الذي ياتي في سياق تنمية مستدامة تشمل الصحة وبناء المشاريع الكبرى وتوفير فرص العمل وغيرها، وهو ما شهده العراق بعد الثورة واستمر طويلا، ليصنع هذه الفيالق من العلماء والمثقفين والرياضيين، واغلب هؤلاء من اصول ريفية. ناهيك عن كون بغداد الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، على الرغم من ظروف الحرب، كانت في قمة مدنيتها، وان اغلب شباب المناطق الشعبية ذات الاصول الريفية، كانوا ينافسون في مدنيّتهم، شباب المناطق الراقية او الاصيلة.

لقد لعب الحصار الاقتصادي وقبله الحروب، دورا اساسيا في ارباك المشهد الحياتي، لكن الذي كرّس الخراب، هو شيوع السلاح في التسعينيات، وضعف الدولة بعد الاحداث المعروفة، وعودة العشائرية كنتيجة لذلك، والمترافق مع الفقر وغياب وسائل الترفيه المدينية، وظهور اجيال جديدة عاشت في كنف هذه الفوضى، سواء في بغداد او في المحافظات، التي شهدت هي الاخرى، نزوحا جماعيا لابناء الريف للبحث عن فرص عمل، بعد الحصار، لينتهي المشهد المدني في العراق الى الصورة الحالية التي نتمنى زوالها.

قراءة أي حدث، تحتاج الى قراءة مستفيضة لمدخلاته، وان أي حديث عنه من خلال التداعيات، يعطي صورة مشوهة للحدث، وهو مالايريده أي باحث رصين .. مع محبتنا واحترامنا للاساتذة المحاضرين الذين قدموا في الندوة مايستحق الاشادة.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق
DAWOOD Alhassani
Iraq
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. اعجبتني هذه المقاله وحياديتهافي وصف ثورة ١٤تموز.لاننكران الحكومه الهاشميه الملكيه في العراق لهادورراءدفي تاسيس الدوله العراقيه الحديثه وكانت مهتمه في تطويرالبلد والحفاظ على حدوده وموارده الاقتصاديه لاسيماالانتاج الزراعي والنفطي وبدرجات اقل في المجال الصناعي ولكن للاسف كانت الطبقيه الملحوظه هي الساءده بالمجتمع فلااقصدان رجالات الحكم الملكي قدنهبواثروة البلدكماهوعليه الان بل كانت الطبقه الارستقراطيه المتمثله بالتجارالكباروالاقطاعيون وبعض رجالات الدوله انذاك يزدادون غنى وفي المقابل الطبقه الكادحه من العمال والفلاحين وعموم الشعب يزدادون فقراوحرمانافالفلاح عباره عن اله انتاجيه لايكاديسدرمق العيش وفي المقابل الاقطاع يقوم بتصديرالمحاصيل واستلام العوائد الكبيره.وبالنسبه للتعليم كماتطرقتم له فهوخاص بالطبقه الارستقراطيه البرجوازيه. لذااتت ثورة ١٤تموز لتهتم بالفردالعراقي والغاءالطبقيه فوزعت الاراضي الزراعيه على الفلاحين لكي يكون واردعملهم لهم وللاسف كان الخلل في معظم الفلاحين حيث تقاعسواواضمحلت همتهم فضعف انتاجهم وصارالبلدمن مصدرالى مستوردللمحاصيل الزراعيه.ومن المنجزات المهمه بناءالمدن وخدماتهاوتوزيع قطع اراضي للمواطنين وتوفيرالتعليم المجاني والصحي للمواطنين وبناء المصانع الانتاجيه الكبيره وووووفعندماتكون حكومه مخلصه لوطنهاوشعبهاوتعمل على استقلال البلدوبناء بنيته التحتيه والاهتمام بالمواطنه ومصالح البلدفممالاشك فيه ستكون هذه الحكومه عرضه لمؤامرات الاستعماروالانظمه الرجعيه وخونة الداخل اتحدت لتسقط هكذا حكومه ابويه للشعب.2019-03-22

مواضيع ذات صلة

0