احد الاصدقاء الذي كان يحضر نشاطا اقيمه في دار مستأجرة بعد العام 2003، كان يصطحب احد اصدقائه للحضور معه، وهو مقاول من المقاولين الجدد بعد التغيير..

كانت جلساتنا في تلك الايام تتطرق الى الكثير من المواضيع، كان غالبها في الشأن العراقي، ثقافة وتاريخا وسياسة، وكان صاحبنا المقاول قليلا مايشترك في هذه الاحاديث، وان اشترك فهو كلام كأي كلام تسمعه من عابر سبيل في سيارة نقل عام او مقهى من المقاهي..

اترك صاحبنا المقاول، واذهب الى حادثة اخرى شهدتها في شارع فلسطين في العاصمة بغداد، يومها دخلت سيارات شحن كبيرة الى احد الشوارع الفرعية، وقد قطعت اسلاك المولدات على جانبي الشارع، رغم حرص السائقين على عدم قطع تلك الاسلاك، كنت واقفا عند احد المحلات التجارية مع مجموعة من القاطنين في ذلك الشارع، احدهم وبعبقرية لافتة وهو يمارس عملية تفسير وتحليل لما يجري امامه، ذكر بان مايحدث هو لعبة استعمارية، تتخفى وراءها الصهيونية العالمية، التي لاتكتفي بتعطيل الكهرباء الوطنية بل تعمد الى قطع اسلاك المولدات ايضا، للانتقام من الشعب العراقي.

اعود الى صاحبنا المقاول، فبعد زمن وتأسيس قناة الحرة، وكنت اتابع برامجها، يظهر صاحبنا على شاشة تلك الفضائية، ويقدمه المذيع للمشاهدين بصفة محلل سياسي يستطلع رأيه في ما يجري على الساحة العراقية..

يسبق ذلك تلك اللازمة المعروفة (معنا من بغداد، المحلل الاستراتيجي والخبير السياسي)، لينهال علينا صوته: (أ.. أعتقد.. مما لاشك فيه.. حدث مايحدث.. في الافق.. تتبلور.. وراية العراق الخفاقة) وهلم جرا..

لم يكن صاحبنا يختلف عن محلل اسلاك المولدة، الا من ناحية ان الاول كان يتحدث في شارع عام ويسمعه المحيطون به، والثاني كان يتحدث عبر شاشة التلفاز ويسمعه الملايين.

ساهم انتشار الفضائيات في عالمنا العربي، على انتشار وظيفة المحلل السياسي، وهي التي يطلق عليها (وظيفة من لاوظيفة له) لملء اوقات النشرات الاخبارية وبرامج الحوارات التلفزيونية.

تتعدد خلفيات هؤلاء المحللين ومشاربهم الفكرية، بين اليمين واليسار، او اقصى الجهتين، وهم يطرحون تحليلاتهم في شتى المواضيع ومختلف الاحداث، عبر لغة واثقة اكثر وثوقا من اليقين نفسه..

منهم من يظهر كثيرا في الفضائيات، ليس بسبب دقة تحليلاته، بل بسبب مايمتلكه من علاقات واسعة مع تلك الفضائيات، وقدرته على تغيير لسانه وجلده تبعا لأهداف الفضائية المعينة.

كثيرا ما تساءلت: كيف يستطيع هذا المحلل المتنقل بين الفضائيات من الاطلاع الكامل على خلفيات اي موضوع، بأبعاده السياسية والتاريخية، والحدث قد وقع للتو واللحظة؟ وكيف استطاع متابعة نتائج الحدث وما تمخض عنه من تفاعلات، وكيف يمكنه تقديم تصور مستقبلي لما يمكن ان يتطور اليه الحدث، وهو يتحدث في (الان) حتى لو كانت تلك (الان) تنسحب الى لحظة مستقبلية قادمة؟

كثيرون من المحللين ينسون ما تحدثوا عنه في قناة معينة، واحيانا كثيرة يتناقضون في ما يتحدثون به لقناة اخرى، وهي مشكلة لا احد يتوقف عندها، لان المهم هو ملء الفراغات واوقات البث المباشر.

ماهو التحليل السياسي؟

انه عملية البحث في الاحتمالات الممكنة لمسارات التفاعلات بين القوى السياسية في المجتمع وتفسير علمي واضح لنوع العلاقات بين هذه القوى السياسية الداخلية والخارجية.

وهو ايضا الطريقة التي نحكم بها على الظواهر والأحداث السياسية محلياً وإقليمياً وعالمياً، ولذلك فهو يحتاج إلى فهم الواقع السياسي للبلد وعلاقة هذا الواقع السياسي بالسياسة الدولية.

والتحليل السياسي ليس شرحا للأوضاع فقط، وإنما هو فهم وادراك لما يحدث ومعرفة الأسباب والدوافع لما حدث وسيحدث في المستقبل للوصول الى رأي يساعد في صنع قرار لحل مشكلة أو ظاهرة لها شأن سياسي في المجتمع.

يتضمن التحليل السياسي شقان أساسيان، يجيب كل واحد منهما على سؤال رئيس لا يمكن تصور تحليل سياسي لا يجيب عنهما:

الشق الأول: هو الفهم الدقيق لمسار الأحداث، وهو يجيب على السؤال الأول, ماذا حدث؟

ونقصد بالفهم الدقيق هنا سبر أغوار الحدث السياسي وعدم الوقوف عند حد المعرفة السطحية، فقد يحتمل الحدث السياسي أكثر من معنى، وقد يكون ظاهره شيئا غير باطنه، وهكذا..

ومسار الحدث ليس المقصود به اللحظة الراهنة للحدث، أو صورته الأخيرة الظاهرة فقط، بل المقصود به المعرفة والإلمام بالجزء التاريخي، والوقائع الراهنة ذات الارتباط، بالإضافة إلى الإدراك بطبيعة الشخصيات والدول الفاعلة ذات الصلة بالحدث أو الظاهرة محل الدراسة أو التحليل.

الثاني: هو إدراك الأسباب الدافعة لهذا الحدث، ويجيب على السؤال الثاني، لماذا حدث؟

وهنا لا يقف المحلل عن مجرد الدوافع الظاهرة البادية فقط، بل يعتني بها بداية، ثم يذهب يبحث عن الأسباب الأخرى الخفية التي ربما لا يدركها غير المتخصصين والعارفين بأصول التحليل السياسي.

فالإدراك مرحلة تفوق مرحلة العلم والمعرفة، كون مرحلة الإدراك تفيد الإحاطة والشمول بكافة الأسباب والدوافع الممكنة والمحتملة وعدم الركون إلى بعضها فقط.

في ما يتعلق بآليات التحليل السياسي، فقد قسمها العديد من المفكرين الى الاقسام والمراحل التالية:

1ـ تحديد القضية وتعريفها:

فلا تحليل من دون تحديد القضية، والقضية في التحليل السياسي يجب أن تكون واضحة مشخصة، وليست ضبابية هلامية.

2ـ تحصيل الأخبار السياسية المتعلقة بالقضية:

فالمحلل السياسي يهتم بالخبر السياسي أيّما اهتمام، يفتش عنه، ويتتبع مصادره، ويفكك عناصره الأساسية، ويستطلع المزيد في خصوصه، ويسبر دلالاته، ويدرك أن قيمة الخبر السياسي لا تعتمد على مدى الطول والقصر، بل بمقدار ما يحمل من معلومات.

3ـ توظيف المعلومات لخدمة التحليل:

وبعد حصول المحلل على معلومة ممحصة إلى حد يمكّن من الاعتماد عليها، تأتي مرحلة أدق وأعقد، وهي توظيف تلك المعلومات، وإحسان ربطها في منظومة تكون صورة قريبة من الواقع، بحيث تفسر الحدث ودوافعه، وتعطى الأدلة والبراهين العلمية والموضوعية على مصداقية هذه النتائج والمخرجات التي توصل إليها المحلل.

اما أدوات التحليل السياسي فتتضمن:

أولا: الخبرة التاريخية والمعلومات السابقة عن الموضوع المطروح للتحليل

ثانيا: المعلومات الحالية مثل أقوال المسئولين – المفكرين – صانعي الأحداث – الأخبار الموثقة المتداولة في وسائل الإعلام إذاعة – صحافة – تليفزيون – إنترنت … الخ

ثالثا: المصالح التي تربط القوى المتفاعلة ومدى تأثيرها في شكل العلاقة.

رابعا: المعلومات الخاصة التي يمكن أن يحصل عليها كاتب التحليل السياسي بحكم موقعة أو اتصالاته أو بحثه، وكذلك مدى عمق خبرته في المجال الذي يكتب فيه.

بعد هذا نتساءل كم سيكون معنا من المحللين والخبراء الاستراتيجيين في نشرات الاخبار والبرامج الحوارية؟

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1