وردت عبارة "استكمال بناء اسس الدولة الاتحادية ونظامها الجمهوري النيابي الديمقراطي" في البرنامج الحكومي لحكومة عادل عبد المهدي بوصفها المحور الاول في هذا البرنامج. وتضمن هذا المحور خمس نقاط هي: تفعيل الدستور نصا وروحا، تفعيل قوانين الوزارات وتعديلها او سن غيرها، اعادة هيكلة مجلس الوزراء، تطوير انظمة الحوكمة بشكل جذري، تقوية اللحمة الوطنية، التصدي لمنع استخدام الحريات والتصرار بالحق العام، الدولة كيان كبير يشمل الارض والشعب والحكم.

هذه هي المرة الاولى، بقدر ما تسعفني الذاكرة، التي تستخدم فيها الحكومة تعبير "بناء الدولة"، فضلا عن "استكمال بناء الدولة". فليس سرا ان النخبة السياسية الحاكمة انشغلت منذ تاسيس مجلس الحكم المنحل بتقاسم السلطة اكثر من انشغالها ببناء الدولة.

ولا يوجد في ادبيات احزاب السلطة فكر سياسي حول مفهوم بناء الدولة بصورة عامة وبناء الدولة في العراق بصورة خاصة، والمعروف ان بناء الدولة عملية تحتاج الى فكر سياسي واقتصادي واداري علمي.

وتوجد في الادب السياسي العالمي الكثير من الدراسات والبحوث حول هذا المفهوم من بينها دراسة مؤسسة راند الاميركية التي صدرت عام ٢٠٠٧ بعنوان "دليل المبتدئين الى بناء الدولة"، وقد استفادت هذه الدراسات من التجارب الناجحة التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية ابتداءً من المانيا واليابان وانتهاء بالتجربة الناجحة في رواندا.

وتتناول بعض الدراسات تجربة بناء الدولة في العراق بعد سقوط النظام الصدامي عام ٢٠٠٣ باعتبارها قصة فشل وليس باعتبارها قصة نجاح.

وتناولت مؤسسة راند مجالات بناء الدولة على ٨ اصعدة هي: الجيش، الشرطة، فرض القانون ويشمل القضاء، الاغاثة، الحوكمة، الاستقرار الاقتصادي، الدمقرطة، التنمية.

وتدخل الانتخابات ضمن الدمقرطة، وفي تصوري، ان عملية بناء الدولة تتطلب مقدمات لم تذكرها مؤسسة راند مثل (١) توفير رؤية علمية شاملة لعملية بناء الدولة و (٢) اشاعة الامن والسلام والمصالحة الوطنية والتعايش لتحقيق الوحدة الوطنية، و(٣) نشر الثقافة الديمقراطية والتربية الوطنية، و(٤) بناء او تحديث البنية التحتية للبلد (الماء والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات والمواصلات)؛ وكل هذا في اطار (٥) معالجة ثقافية للخلل الحاد في المركب الحضاري: اي معالجة التخلف، لانه يصعب بناء دولة في مجتمع متخلف حضاريا.

كما تتطلب عملية بناء الدولة التوصل الى طرق واساليب تستهدف اشراك المواطنين في عملية بناء الدولة، لان بناء الدولة ليس مهمة الحكومات فقط، انما هي عملية مشتركة بين الحكومة والمواطنين.

وتشير كل قصص بناء الدول القديمة مثل بريطانيا او الحديثة نسبيا مثل الولايات المتحدة او الحديثة مثل جنوب افريقيا، ان بناء الدول يعتمد بعد توفر الارض على المشاركة الفعالة للعنصر الثاني من عناصر بناء الدولة وهو الشعب بما فيهم المواطنون والاحزاب ومنظمات المجتمع المدني، والحكومة بوصفها العنصر الثالث.

قدم رئيس الوزراء المنهاج الحكومي والبرنامج الوزاري وقد احتويا على العديد من النقاط الايجابية كتلك المذكورة في محور استكمال بناء الدولة، لكنه اغفل نقاطا مهمة على راسها الرؤية الشاملة لعملية بناء الدولة، وهي الرؤية التي نقدمها ضمن اطروحة بناء الدولة الحضارية الحديثة. وهي رؤية تتضمن بعد اضافة النظام القيمي الحاف بالمركب الحضاري الى عناصر الدولة، اقتراح الاعمدة التأسيسية للدولة وهي: المواطنة والديمقراطية والمؤسسات والقانون والعلم الحديث. كما اغفل البرنامج الدور الذي يجب ان تضطلع به المدرسة في عملية بناء الدولة. وغابت عن المنهاج والبرنامج اية فكرة عن اشراك الشعب في عملية البناء وكيفية ذلك. لا تستهدف هذه الملاحظات الانتقاص من برنامج الحكومة انما هي دعوة الى تطويره.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0