آراء وافكار - مقالات الكتاب

ربحية الثقة

كلاوس شواب

جنيف- ان تأثيرات اكثر ازمة مالية تدميرا لعقود بدأت بالتلاشي ولكن الجدل عن اساسيات الاقتصاد العالمي لم ينته بعد فهناك موجة جديدة من المناقشات الساخنة عن ما اذا كان يتوجب على الشركات ان تضع الارباح او الصالح العام أولا.

ان القول الشهير لملتون فريدمان وهو من كبار المناصرين للمقاربة المبنية على الربح بالنسبة لإدارة الشركات هو " ان عمل النشاط التجاري هو النشاط التجاري" حيث يتضح من وجهة النظر هذه انه لا يوجد تناقض بين تعظيم الربح والصالح العالم. ان السعي للربح بحد ذاته هو هدف مفيد اجتماعيا.

ان اساس مفهوم وجهة النظر المعارضة والتي اتبناها تكمن في نظرية اقتصادي هارفارد مايكل بورتر والمتعلقة بخلق القيمة المشتركة وفي واقع الامر فإن جميع ما نشرته يروج لمفهوم صاحب المصلحة كاطار للفهم المعاصر لإدارة الشركات مع المسؤولية الاجتماعية.

ان من الممكن ان يستمر الجدل النظري الى ما لا نهاية ولكن بالنسبة للإدارة العملية للشركات فإن مثل هذا الاستقطاب الايدولوجي ليس مفيدا على وجه الخصوص فلو اضطر المدراء للاختيار بين تحقيق توقعات المساهمين وتلبية مسؤولياتهم الاجتماعية والاخلاقية فإن من الممكن ان تنهار شركاتهم.

عوضا عن ذلك فإن المدراء الناجحين يقرون بإن أية شركه هي في الواقع كيان اقتصادي واجتماعي مما يعني انه لا يمكن تجاهل اي صاحب مصلحه وكما كتبت قبل اكثر من اربعة عقود فإن الشركة هي " مثل العضو البشري والذي يعتمد على عدة شرايين " والتي يتوجب ان ترعاها جميعا لو كانت تأمل في البقاء والنمو.

ان هذا يبدو بسيطا ولكن يمكن ان يكون صعبا للغاية عندما تتعارض مصالح مساهمي الشركة على سبيل المثال مع مصالح موظفيها أو عملائها أو المجتمعات المحلية. ان الاخبار الطيبة هي انه في اي من هذه الصراعات هناك هدف واضح وموحد: التحقق من نجاح الشركة على المدى الطويل.

ان هذا يتطلب اولا وقبل كل شيء ان تكون الشركة رابحة ولكن الربحية يجب ان لا تكون الهدف بحد ذاته فهي اداة من اجل مساعدة المدراء على تحديد الطريقة الاكثر فعالية من اجل استخدام مواردهم وقياس تنافسية الشركة وحيويتها وعليه فبدلا من دفع الارباح فقط فإن على الشركات استخدام ارباحها في تعزيز جدواها على المدى الطويل.

ان الربحية والنمو والضمانات ضد المخاطر الوجودية هي حيوية من اجل تقوية آفاق الشركة على المدى الطويل ولكن لو ان هذه العوامل الثلاثة شكلت "القوة الصلبة" للشركة فإن الشركات بحاجه كذلك الى "قوة ناعمة": ثقة الجمهور والقبول والتي يتم اكتسابها عن طريق تحقيق المسؤولية الاجتماعية للشركة وفقط عندما تكتسب الشركة ثقة الناس –رخصتها للعمل- فإن بإمكان ادارتها خلق قيمة طويلة المدى لجميع اصحاب المصالح بما في ذلك المساهمين.

باختصار فإن الصراع الحقيقي هو ليس بين تعظيم الربح والمسؤولية الاجتماعية ولكن بين التفكير على المدى القصير والتفكير على المدى الطويل وهذا بحد ذاته هو صراع أسهل للحل. ان النهج قصير النظر لا يقوض فقط آفاق الشركات لكنه يهدد كذلك الاقتصاد بأكمله. ان التركيز غير المسؤول للمدراء على تعزيز المصالح المباشرة للمساهمين مما يعزز من مكافآتهم قد ساهم بشكل كبير في وضع النظام المالي العالمي على حافة الهاوية سنة 2008.

من اجل تمكين ادارة الشركة من استيعاب المصالح طويلة المدى لجميع اصحاب المصالح فإن عملية اتخاذ القرار في الشركات يجب ان تأخذ بعين الاعتبار الشروط المسبقة لبقاء الشركة وهي الربحية والنمو وحماية المخاطر وثقة الجمهور ونظرا لأن تحقيق أي من تلك الشروط المسبقة عادة ما يأتي على حساب الشروط الاخرى فإن مثل هذا النظام يستلزم التكيف والتسويات على الدوام.

لقد خرجنا من فترة كانت الشركات فيها تتعرض للضغوطات من اجل تحقيق توقعات المساهمين وكانت تفضل الربحية والنمو وحتى لو تطلب الامر اخذ مخاطر لا داعي لها وخسارة ثقة الناس. ان الشركات بحاجه الان للعمل من اجل تقليل المخاطر وبناء الثقة عن طريق تحقيق التوقعات المشروعة لجميع اصحاب المصالح فيها بما في ذلك التقليل من التأثير السلبي لنشاطاتها على البيئة وخلق فرص عمل ذات جوده عالية.

لكن المسؤولية الاجتماعية للشركات يجب ان لا تقتصر على كيفية قيام الشركة بعملها. يتوجب على الشركات استخدام قدراتها الأساسية من اجل المساعدة في ايجاد حلول لمعظم المشاكل الاقتصادية الملحة اليوم. أي بعبارة اخرى يتوجب على الشركة الى جانب خدمة اصحاب المصالح فيها قبول دورها كصاحبة مصلحه في مستقبلنا الجماعي – أي شكل من اشكال التعويض مقابل الرخصة للعمل.

لحسن الحظ فإن الشركات تعمل بشكل متزايد بروح من المسؤولية الاجتماعية وبعمل الشركات مع الحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني فإنها تتعامل مع تحديات رئيسة مثل الاندماج الاجتماعي وخلق الأنظمة اللازمة من اجل توفير التعليم والرعاية الصحية لأكثر الناس حاجة لها. ان هذه الشركات تطبق مفهوم اصحاب المصالح على المستوى الجزئي والمستوى الكلي مما يعني تلبية طلبات موظفيها وزبائنها ومجتمعاتها المحلية وهذا بدوره يقوي علاماتها التجارية.

وبقيامها بذلك فإن مثل هذه الشركات تقدم استجابة قوية للسؤال عن دورها في المجتمع والاهم من ذلك ان تلك الشركات تظهر لبقية قطاع الشركات ان النشاط المتعلق بتحقيق الصالح العام هو نشاط ذو قيمة.

* مؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي
https://www.project-syndicate.org
..........................

* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1