الاستثمار والرأسمالية يمران بالمراحل الأولى من التحول يبدو معقولا، خاصة وأن الاستثمار المؤثر من الممكن أن يعزز نفسه بنفسه. فالتقدم لا يكون مدفوعا فقط بالقيم الفردية التي يحترمها الفاعلون وحوافزهم وسلوكياتهم، بل أيضا تفاعلاتهم المتبادلة الداعمة عبر الشبكة الأعرض. الواقع أن رؤيته الشاملة لهذا "النظام البيئي المؤثر" تُـعَد...
بقلم: مايكل سبنس
ميلانو ــ في الطبعة الثانية من كتابه الصادر عام 2020 بعنوان IMPACT: Reshaping Capitalism to Drive Real Change (التأثير: إعادة تشكيل الرأسمالية لدفع التغيير الحقيقي)، يتوسع الرأسمالي المغامر السير رونالد كوهين في تحليله لظهور الاستثمار المؤثر، فيسلط الضوء على المجالات التي جرى فيها دمج الأهداف البيئية والاجتماعية في قرارات الاستثمار والأعمال. هل نحن على وشك معاينة "ثورة التأثير"؟
كانت المرة الأخيرة التي شهدت فيها أطر التمويل والاستثمار ثورة قبل عدة عقود من الزمن، والتي أسفرت عن ترسيخ نهج قائم على القياس الدقيق للمخاطر والعوائد. يزعم كوهين، الذي عايش هذا التحول بشكل مباشر بصفته رائدا في مجال رأس المال الاستثماري ومؤسسا مشاركا لشركة Apax Partners، أن تحولا مماثلا مهما يجري اليوم، حيث تراعي استراتيجيات الاستثمار والأعمال على نحو متزايد المخاطر، والعوائد، والأثر.
تتمثل ركائز ثورة التأثير في الإبداع، والقياس الدقيق للنتائج، والتعاون بين القطاعات. يدرك "الثوريون" ــ وهذا يشمل الشركات، والمؤسسات المالية، ورواد الأعمال الاجتماعيين، والحكومات، والمؤسسات الخيرية، ومحبي الخير ــ أن الحكومات والمؤسسات وحدها لا تملك رأس المال الكافي لمواجهة أكبر التحديات البيئية، والاجتماعية، والتنموية، والتي يتسم بعضها بطبيعة وجودية. علاوة على ذلك، كل هذه الكيانات مقتنعة بعدم وجود نسخة حالية من الرأسمالية مُـجَهَّزة لتقديم الحلول اللازمة.
يتمثل أحد أكبر مواطن القوة في رؤية كوهين للتأثير في نظرته الشاملة للقوى الفاعلة الرئيسية وسلوكياتها ــ أو "منظومة التأثير"، إذا شئت. هذا أمر بالغ الأهمية لأن ما يحدد النتائج ليس فقط قيم الفاعلين الفردية وحوافزهم وسلوكياتهم، بل التفاعلات المعززة والتكامل بين هذه العناصر الثلاثة.
تتلخص إحدى رسائل كوهين الأساسية في أن الربح والغرض، بعيدا عن كونهما متعارضين، أصبح كل منهما يعزز الآخر. هذا ادعاء مثير للجدال إلى حد ما، وقابل للتطوير بدرجة أكبر. صحيح أن العائد المعدل حسب المخاطر والأثر، أصبح مع تزايد نسبة المستثمرين والمستهلكين والعاملين الذين يهتمون بمعالجة التحديات المشتركة أكثر توافقا. ولكن عند تقييم التقدم المحرز وإمكانات الاستثمار المؤثر، تصبح درجة التوافق مهمة، ولا يزال الطريق أمامنا طويلا قبل أن يتوافق التأثير والعائد تماما.
مع ذلك، تبدو الصورة العامة واعدة. فقد سجلت الأصول المستثمرة في التأثير نمو كبيرا في السنوات الأخيرة. ورغم أنها لا تزال تمثل جزءا صغيرا من إجمالي الأصول العالمية في عام 2024 ــ 2.3 تريليون دولار من أصل 225 تريليون دولار ــ فبوسعنا أن نقول الشيء ذاته عن أصول رأس المال الاستثماري العالمية الـمُدارة، والتي يبلغ مجموعها نحو 3.1 تريليون دولار. ويوافق الجميع تقريبا على أن استثمارات رأس المال الاستثماري من المرجح أن تخلف أثرا هائلا على الاقتصاد العالمي وأسسه التكنولوجية.
علاوة على ذلك، تبلغ قيمة جميع الأصول المرتبطة بالأهداف البيئية والمجتمعية والحوكمة (ESG) ــ والتي تشكل الأصول المستثمرة في التأثير قسما فرعيا متزايدا منها ــ 30 تريليون دولار، أي حوالي 14% من الأصول العالمية، حيث تبلغ قيمة السندات الخضراء وحدها 5.7 تريليون دولار. تنشط صناديق التقاعد، التي تمثل 59.4 تريليون دولار (26% من الأصول العالمية)، في الأهداف البيئية والمجتمعية والحوكمة، بما في ذلك الاستثمار المؤثر. وقد وقع 5300 مستثمر على مستوى العالم، يمثلون أصولا بقيمة 128 تريليون دولار، على مبادئ الاستثمار المسؤول التي أقرتها الأمم المتحدة.
مع تطور سوق الأهداف البيئية والمجتمعية والحوكمة، ومع زيادة دقة قياس النتائج وإمكانية التحقق منها، من المرجح أن ينمو الاستثمار المؤثر بشكل أكبر، لأن النتائج المقاسة ــ وفي كثير من الحالات، الأهداف المحددة ــ هي ما يميز الاستثمارات المؤثرة عن الاستثمارات في الأهداف البيئية والمجتمعية والحوكمة في عموم الأمر. ومن المفيد أن المؤسسة الدولية لتقييم الأثر (التي بدأت كمشروع مشترك مع كلية هارفارد لإدارة الأعمال) وائتلاف العواصم يعملان الآن معا لتعزيز "محاسبة الأثر" ــ أي قياس النتائج الاجتماعية والبيئية كميا.
على الرغم من غياب الضمانات، فإن ادعاء كوهين بأن الاستثمار والرأسمالية يمران بالمراحل الأولى من التحول يبدو معقولا، خاصة وأن الاستثمار المؤثر من الممكن أن يعزز نفسه بنفسه. وكما يوضح، فإن التقدم لا يكون مدفوعا فقط بالقيم الفردية التي يحترمها الفاعلون وحوافزهم وسلوكياتهم، بل أيضا تفاعلاتهم المتبادلة الداعمة عبر الشبكة الأعرض. الواقع أن رؤيته الشاملة لهذا "النظام البيئي المؤثر" تُـعَد أحد أكبر مواطن قوة الكتاب.
يتزايد ثراء هذا النظام البيئي على نحو مستمر، ويرجع هذا بدرجة كبيرة إلى إبداعات مثل سندات الأثر الاجتماعي وسندات الأثر التنموي. في هذه العقود الثلاثية الأطراف، يسعى رواد الأعمال الاجتماعيون إلى تحقيق بعض الأهداف الاجتماعية أو البيئية القابلة للقياس. إذا تسنى لهم تحقيق هذا الهدف، تدفع الحكومة، ويربح المستثمر. وإذا فشلوا، لا يحصل المستثمر على أي عوائد. تمثل سندات الأثر الاجتماعي الآن 771 مليون دولار من الاستثمارات في 40 دولة.
تنطوي هذه البنية على عدد كبير من الاختلافات المحتملة. ومن الممكن أن تتدرج العوائد وفقا للنتائج المقاسة، حيث تمول الحكومات، والمؤسسات الخيرية، ومحبو الخير العائد التراكمي فوق خط أساس بعينه. الواقع أن هياكل تحفيزية مماثلة ــ على سبيل المثال، مضاهاة التبرعات ــ شائعة في مجال العمل الخيري.
من الصعب العثور على بيانات دقيقة عن أصول المؤسسات على مستوى العالم بسبب عدم اكتمال البيانات وتنوع معايير إعداد التقارير. في الولايات المتحدة وحدها، تزيد أصول المؤسسات الخاصة عن 1.5 تريليون دولار. وتشير بعض الأدلة إلى أن الاستثمار في الأهداف البيئية والمجتمعية والحوكمة والاستثمار المؤثر آخذان في التوسع في عالم المؤسسات.
لكن المؤسسات التي تعتمد على أوقاف أو هبات كانت تقليديا تدير الوقف لتحقيق عائد معدل حسب المخاطر دون الإشارة إلى الأثر. ثم يُـخَصَّص جزء من الوقف، لنقل 5%، لِمِنَح التأثير بما يتماشى مع مهمة المؤسسة. وتظل نسبة الـ 95% المتبقية في عالم الاستثمار غير المؤثر. يزعم كوهين وآخرون أن الفرصة سانحة، في ضوء مهمة المؤسسة، لزيادة الأثر الإجمالي من خلال تخصيص جزء على الأقل من الوقف لنظام الاستثمار المؤثر.
وكما يشير كوهين، فإن إنشاء فئة جديدة من الشركات (شركات المنفعة العامة في الولايات المتحدة، وشركات B Corps في المملكة المتحدة، وشركات المصلحة المجتمعية في أماكن أخرى)، وظهور شبكات ريادة الأعمال الموجهة نحو التأثير (Ashoka، وEchoing Green، وEndeavor)، لهو دليل إضافي على ثورة الاستثمار التي يرصدها. كما يشاركنا دراسات حالة مثيرة للاهتمام عن شركات، مثل شركة إنتاج الزبادي Chobani، التي ابتكرت طرقا مبتكرة لدمج الأثر في نماذج أعمالها.
أفضل الكتب، على الأقل في نظري، ليست تلك التي تؤكد معتقدات القراء المسبقة، بل تلك التي تتحدانا لحثنا على تحديث فِكرنا بمساعدتنا في رؤية الأنظمة المعقدة والتغيير بطريقة جديدة تماما. ليس لزاما على المرء أن يتفق مع جميع تأكيدات كوهين للاستفادة من خريطتها الشاملة للتحول المستمر في مشهد الاستثمار وتقديرها المتجدد لقوة الإبداع وفن الممكن.



اضف تعليق