اعداد: م.م شهد عبد الستار عيسى – ماجستير علاقات دولية- كلية العلوم السياسية/ الجامعة المستنصرية

ان الازمة في فنزويلا هي حصيلة عوامل سياسية واقتصادية ودبلوماسية تعود جذورها الى تاريخ البلاد الحديث من صراع بين قطبين، احدهم يتبنى السياسية الليبرالية الغربية والاخر ينتهج الديمقراطية الاشتراكية، الا ان هذه الحالة اصبحت اكثر وضوحاً بعد وفاة الحادي والستين لفنزويلا (هوغو تشافيز) في 5 آذار 2013، حينها انتخب نائبه (نيكولاس مادورو) رئيساً للبلاد، لم يبقى مادورو في المنصب طويلاً حتى بدأت في عام 2014 سلسلة من الاحتجاجات ضد سياسة الحكومة الاقتصادية وذلك على الرغم من امتلاكها اكبر احتياطي مؤكد من النفط في العالم الا ان اعتمادها بشكل اساسي على هذا القطاع كان سبب اساسي في انكماش الاقتصادي بعد التدابير الامريكية الضاغطة على صادرات فنزويلا من جانب والخافضة لأسعار النفط من جانب اخر، هذه الازمة اثرت في عام 2015 على نتائج الانتخابات البرلمانية بشكل واضح مرجحة كفة المعارضة للمرة الاولى منذ (16) عاماً لتحقق فوزاً واضحاً على الحزب الاشتراكي الموحد الذي يتزعمه مادورو بواقع (109) مقعد من اصل (164)، وبضغط من الولايات المتحدة الامريكية والغرب قادت هذه الاحتجاجات الى المطالبة باستفتاء شعبي عام في عام 2016 الا ان المجلس الوطني للانتخابات الغى العملية لأسباب تقنية واخرى امنية مؤجلة الاستفتاء الى عام 2017 وهو ما لم يتحقق حتى انتخب مادورو رئيساً لدورة ثانية في انتخابات 2018 والتي رفضت المعارضة ومن يدعمها من الغرب الاعتراف بها، هنا برز وجه سياسي شاب وهو (خوان غوايدو) والذي انتخب حديثاً رئيساً للبرلمان ليصبح رمزاً للمعارضة بعد اعتراف واشنطن وعدد من حلفائها الغربيين به رئيساً شرعياً مؤقتاً للبلاد.

تخفي هذه البلاد النفطية وراءها وطناً كئيباً يرزح تحت ازمات كثيرة ومتشابكة، فقد بلغت نسبة الفقر في البلاد (83%)، فقر تتجلى ملامحه في كل مناحي الحياه، لم ينعكس ارتفاع حجم التضخم على اسعار المحروقات فسعر لتر البنزين في فنزويلا هو الارخص في العالم، ولا يتجاوز سنتاً امريكياً واحداً، رفاهية وان كانت منطقية في بلد يخزن باطنه اكبر احتياطي في العالم تقابله محناً كثيرة، تبدأ بارتفاع اسعار المواد ولا تنتهي بانهيار قيمة الاجور وندرة السيولة النقدية في المصارف، يتفق الفنزويليون على احداث تغيراً مع اختلافاً حول شكله ومستواه والياته، تغيراً قد يخرج فنزويلا من ازمتها ويجنبها صراعات قد تأخذ اشكالاً اخرى، فعلى الرغم من أن الاحتجاجات التي تشهدها فنزويلا خلال الفترة الحالية لها أسباب هيكلية؛ إلا أن هناك عددًا من الأسباب التي يمكن وصفها بالطارئة أو المستجدة التي تسببت في تصاعد وتيرة وحدة هذه الاحتجاجات، وكذلك اتساع نطاقها الجغرافي، وزيادة أعداد المشاركين فيها. وتتمثل تلك الأسباب في:

أولا- تفاقم الأزمة الاقتصادية التي تواجهها البلاد: مع تراجع أسعار النفط الذي يعد المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي، والذي يمثل حوالي 96% من إجمالي صادراتها؛ تراجع معدل النمو الاقتصادي، وانخفضت قيمة العملة الوطنية بشكل حاد، فضلا عن التراجع الكبير في الاحتياطي الأجنبي لدى فنزويلا إلى ما يقرب من (10) مليارات دولار، مما يجعلها مهددة بالإفلاس. ووفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي فمن المتوقع أن يصل معدل التضخم إلى (5،72%) ومعدل البطالة إلى (25%) بنهاية العام الجاري.

ثانيًا- ارتفاع معدلات البطالة والفقر: ساهمت الأزمة الاقتصادية في وقوع أزمة إنسانية خطيرة في ظل النقص الحادّ في الأغذية والأدوية وغيرها من السلع الأساسية، مما أدى إلى تفشي الجريمة وعمليات السلب والنهب إلى معدلات غير مسبوقة، وقيام المواطنين باقتحام حدود فنزويلا مع كولومبيا والمكسيك للحصول على احتياجاتهم الغذائية. كما تدهورت أوضاع المستشفيات، مما تسبب في ارتفاع حالات الوفاة وانتشار الأمراض. فضلا عن تفاقم مشكلة الكهرباء والمياه الصالحة للشرب، الأمر الذي دفع الكثير من الشركات إلى الإغلاق. كما قامت الحكومة بتقليص أيام العمل إلى يومين فقط أسبوعيًّا في محاولة منها لتوفير الكهرباء.

ثالثًا- انتشار الفساد الذي كان سببًا إضافيًّا في تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، واندلاع الاحتجاجات؛ حيث جاءت فنزويلا في الترتيب (166) من إجمالي (176) دولة شملها مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية عام 2016.

وكان لكافة هذه الأوضاع تأثيراتها الواضحة في استقرار الدولة الفنزويلية التي صُنفت ضمن فئة الدول "ذات التحذير العالي"، في مؤشر الدول الهشة Fragile States Index الصادر عن صندوق السلام لعام 2017، واحتلت المرتبة 85 من 178 دولة في العالم، حيث حصلت على 82.9 نقطة من 120 نقطة إجمالي المؤشرات، مما يعكس ارتفاع حالة "هشاشة الدولة".

فنزويلا اليوم تتكون من رئيسين احدهم منتخب (مادورو) والاخر نصب نفسه (خوان غوايدو)، فمازال الرئيس (مادورو) صامداً امام محاولات الانقلاب بدعماً من الجيش، فقد قبل مادورو دعوة المكسيك والاورغواي للحوار بين الحكومة والمعارضة لأنهاء الازمة السياسية بيد ان الازمة وضعت البلاد في مفترق طرق فلم تعد الخصومة (فنزويلية-فنزويلية) فور اعتراف واشنطن بخوان غوايدو رئيساً مؤقتاً للبلاد، على خطى الولايات المتحدة الامريكية والبرلمان الاوروبي سارت الدول في امريكيا الجنوبية وقد تسير دول اوروبية اخرى تطالب الرئيس المنتخب حديثاً بأجراء انتخابات حرة وفي وقت قريب.

وعلى اثر ذلك قررت فنزويلا قطع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة الامريكية واغلاق سفارتها وقنصليتها في واشنطن، وفي فصول الدعم الامريكي للمعارضة اوضح مستشار الامن القومي في الولايات المتحدة الامريكية (جون بولتن) ان بلاده تركز على قطع الايرادات المالية عن حكومة مادورو، كما اضاف ان تلك الخطوة تأتي مع اعتراف الولايات المتحدة الامريكية بخوان غوايدو رئيساً للبلاد، من جهته صرح الاخير عن استعداده لإصدار عفواً عن مادورو اذا تخلى عن السلطة وهو الامر المستبعد بهذه السهولة والسرعة في ظل الدعم الذي يتلقاه مادورو من الجيش وروسيا الاتحادية وتركيا ودول اخرى، مادورو المتهم بفشل فراغ ( هوغو تشافيز) هل يتحمل وحده وزر المشاكل الاقتصادية والهجرة الفنزويلية وحده؟.

اما السيناريو الاسوء للازمة الحالية في فنزويلا هو نشوب حرب اهلية لا تتمناها حتى دول الجوار الداعمة للمعارض غوايدو كما تسعى الولايات المتحدة الامريكية لتثبيت الرجل الذي سيخلصها من يساري اخر الا ان موسكو لاتقف مكتوفة الايدي فهي توفر الحماية لمادورو وحكومته ومن المرجح ان تكبر الازمة اذا استمرت دول اخرى بتصفية حساباتها على ارض فنزويلا والتي لا تنقصها ازمات اخرى، فقد وصلت اعمال العنف في فنزويلا في 29 كانون الثاني 2019 الى ما لا يقل عن (40) قتيل واعتقال اكثر من (850) شخصاً بينهم (77) شخصاً لا يتجاوز سن بعضهم (12) عاماً.

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
احبائي
اكره حديث السياسة لكنني اكره الارهاب الامريكي اكثر
الارهاب الامريكي السافر يزعم بكل وقاحة انه يقود العالم المتحضر
وكان يفعل كل موبقات السياسة والحرب والعالم يصمت وهو ينظر
العالم عاد الي تعدد الاقطاب ويستطيع اليوم ان يجبر امريكا ولغرورها يقهر
احبائي
دعوة محبة
ادعو سيادتكم الي حسن الحديث وآدابه....واخترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الارض
جمال بركات....مركز ثقافة الالفية الثالثة2019-02-03

مواضيع ذات صلة

0