يندرج تحت هذا العنوان مبحثان أساسيان، وبقدر تعلقهما بفلسفة الحكم ودور الدولة، فإنهما بالقدر نفسه يتعلقان بالفرد والمجتمع أيضاً، أي إن الإنسان هو الوحدة الأساسية التي تقوم عليها الدولة، وهو محور وغاية الأنشطة والفاعليات المجتمعية أياً كانت تسميتها فكرية أو دينية أو اقتصادية أو قانونية أو اجتماعية أو نفسية، وعلى أساس أمنه يتكوّن أمن المجتمع وتقيّم السياسات ويقاس الأثر الناتج عنها.

وحكم القانون يعني وجود قوانين وتشريعات ناظمة وعلى أساسها تقام المؤسسات، ولا بد من وجود قضاء مستقل وانتخابات دورية ومشاركة فعّالة للتنوّع الثقافي والتعددية المجتمعية، وحكم القانون هو ما تطمح إليه الدول بغض النظر عن طبيعتها.

أما الأمن الإنساني فالإنسان حسب الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس هو مقياس كل شيء، وبالتالي لا يمكن قياس أمن الدولة، إلاّ بدرجة قياس أمن الفرد من زواياه المختلفة، ولا يمكن اختزال ذلك بجانب واحد، فالأمن بشكل عام يتجسّد بالجانب الإنساني، وما له علاقة باحترام حقوق الإنسان، وهذه المسألة ترتبط إلى حدود كبيرة بحكم القانون واحترام الشرعية الدستورية والقانونية.

الأمن إذاً حاجة للنفس البشرية، وغيابه يترك تأثيرات سلبية ومرضية أحياناً على الإنسان، خصوصاً عندما تدوم طويلاً، حسب تعبير الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل التي اعتبرها الكاتبُ والروائي الفرنسي ألبير كامو أكبرَ عقل إشراقي في عصرها.

ولذلك يعتبر الأمن الإنساني المعيار للرفاه والتقدم الاجتماعي ودرجة تطور المجتمع، والأمن حسب عالم النفس الكبير سيجموند فرويد يتقدّم أحياناً على الكرامة، إذْ لا يمكن تأمين شروط الكرامة الإنسانية، دون تحقيق الأمن، بجوانبه المختلفة، ولهذا يمكن القول، أن لا كرامة دون أمن، ولا أمن حقيقي، بهدر الكرامة الإنسانية وخرق حقوق الإنسان، وهي معادلة صعبة أحياناً، ويتوقّف على درجة التوازن فيها، تأمين مستلزمات حكم القانون وتحقيق التنمية بمعناها الإنساني الشامل.

أول من استخدم مفهوم " الأمن الإنساني" في إطار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العام 1994 هو محبوب الحق وزير المالية الباكستاني الأسبق وبدعم من الاقتصادي الهندي المعروف أمارتيا صن (الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد العام 1998)، ومنذ ذلك التاريخ كثر استخدامه وتعزّز مضمونه، لاسيّما الاعتراف بأولوية أمن الأفراد، فالفرد إنما هو عضو في جماعة، وعلى الدولة أن تحفظ "أمنها" مقابل عقد اجتماعي وفقاً لجان جاك روسو، أي إن الفرد تنازل عن بعض حقوقه لصالح الدولة التي يكون من واجبها تحقيق أمنه، لكن الدولة أحياناً وبسبب اختلال هذه المعادلة تصبح مصدراً رئيساً لتهديد أمن الأفراد أنفسهم، خصوصاً بهيمنة فئات وطبقات اجتماعية عليها وحرمان أفراد المجتمع من الرفاه والأمن الاقتصادي والغذائي والصحي والبيئي والشخصي والمجتمعي، إضافة إلى الأمن السياسي والفكري وغير ذلك.

ولا يقتصر مفهوم الأمن الإنساني على الأمن الوطني الخاص بكل دولة أو كيان سياسي، بل يمتدّ ليصل إلى المجتمع الدولي، ولعلّ ذلك مناسبة للحديث عن مخاطر الإرهاب الدولي التي تهدّد السلم والأمن الدوليين وهو ما كان ميثاق الأمم المتحدة التي أعلن عن قيامها في 26 حزيران (يونيو) العام 1945، قد وضع هدف الحفاظ على عليهما من أبرز أهداف ميثاق الأمم المتحدة.

وكم كان فادحاً إهمال الأمن الإنساني في أنظمة جاءت بقصد تحقيق العدالة الاجتماعية، لكنها غرقت في الأمن بمعناه التقليدي، مخلّفة معاناة باهرة، خصوصاً عندما أهملت أمن الإنسان وانشغلت بأمن النظام. والمقصود بذلك الأنظمة الاشتراكية في أوروبا الشرقية وبلدان وأنظمة ما أطلقنا عليها " التحرر الوطني". وعلى الجانب الآخر فقد انشغلت البلدان الرأسمالية هي الأخرى بأمنها الخارجي والداخلي، خصوصاً استغراقها بالصراع الآيديولوجي وسباق التسلح، الأمر الذي قاد إلى تبديد عشرات التريليونات من الدولارات، التي لو خصّصت للأمن الإنساني على المستوى العالمي لحققت نتائج فائقة للبشرية، وهو ما دعا قمة كوبنهاغن للتنمية الاجتماعية في آذار (مارس) 1995 للتأكيد على أن البشر هم غاية وهدف أي نظام، وأي تغيير.

إن تشبّث عدد من الأنظمة بالأمن بمعناه التقليدي لا يمكنه أن يدوم إلى ما لا نهاية، وستعصف بها رياح التغيير، الأمر يحتاج إلى تحقيق الأمن الإنساني وتلبية الاحتياجات الأساسية للبشر بصفتهم كبشر دون تمييز أو إقصاء أو تهميش، وعلى أساس المساواة بينهم، وقد كشف الربيع العربي عن هشاشة مفهوم الأمن التقليدي، فانهارت بعض الأنظمة بسرعة خارقة، وهو ما حصل في تونس ومصر وتمترست بعضها بالمزيد من التشدد، الأمر الذي ضاعف من غياب الأمن الإنساني.

وقد لعب التدخل الخارجي دوراً سلبياً في ذلك وهو ما حصدت ليبيا نتائجه الكارثية ولا زالت انعكاساته خطرة في سوريا وإنْ كانت غير مكتملة، بالرغم من المأساة الماثلة خلال سنوات ثمان من خلال ملايين اللاجئين والنازحين والوضع اللاإنساني والاحتراب الأهلي والخراب والدمار الهائل، ولعلّ النموذج اليمني الذي حاول تجنّب الحرب الأهلية وقع صريعاً حيث يعاني أكثر من 12 مليون إنسان من جماعة حقيقية وتستمر الحرب بتداخلاتها الإقليمية دون توقف بالرغم من محاولات الأمم المتحدة التوفيق بين الفرقاء المتصارعين.

وكان النموذج العراقي شديد التركيز على الأمن التقليدي وافتضح الأمر على نحو شديد في العام 2014 حين احتلت داعش الموصل وتمدّد إلى ثلث العراق. وبالتدريج غابت فكرة الأمن بمفهومها الحديث التي تركّز على الإنسان، حتى أطيح بالدولة بعد الاحتلال العام 2003،أما السودان فقد انشغلت بأمن النظام وتركت الأمن الإنساني، حتى وصل الأمر إلى الانقسام وانفصال الجنوب السوداني بعد استفتاء في العام 2010.

لقد تولّد شعور لدى الإنسان في البلدان النامية بشكل عام والتي تعاني من الاستبداد ومنها بلداننا العربية، مفاده أن السياسات الأمنية تعمل ضده وليس لصالحه، خصوصاً بعدم تأمين الحدّ الأدنى من العيش الكريم وتوفير فرص عمل له ودخل يتناسب مع احتياجاته الأساسية من الغذاء والرعاية الصحية والخدمات التعليمية والحماية البيئية وعدم تعريض شخصه للعنف أو التعذيب، فضلاً عن احترام انتمائه إلى مجتمع أو فئة أو دين أو قومية وممارسة حقوقه السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بحرّية وتحريره من كل ما يقف عائقاً أمام ذلك.

وإذا كانت التعريفات التقليدية للأمن قد ركّزت على الجوانب العسكرية والسياسية التي تستهدف بالدرجة الأساسية بقاء النظام واستقراره من خلال توفير الأمن، فإن المفهوم الواسع والمعاصر لكلمة الأمن يشمل الإنسان، وهو يعني حماية المجتمع من الأخطار المحيطة به والتي تؤدي إلى الإضرار بمصلحة الدولة الوطنية أو تهدّدها بشكل مباشر أو غير مباشر، بكل ما يتعلق بالحقول التي جرت الإشارة إليها.

وقد حقّقت البلدان التي اهتمت بالأمن بمعناه الإنساني الشامل تنمية اجتماعية متعدّدة أكثر من غيرها، في جانبها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والقانوني والثقافي والتربوي، واستطاعت حماية أمنها الوطني، خصوصاً بتوفير الرفاهية لمواطنيها، ولم يكن تحقيق ذلك ممكناً من دون تأمين حكم القانون، بما يعني فصل السلطات واستقلال القضاء والإقرار بالتنوّع والتعدّدية، والحق في انتخاب الحاكم والحق في عزله أو عدم تجديد انتخابه، مع الاهتمام بتأمين الحد الأدنى من حقوق المرأة وحقوق التنوّعات أو المجموعات الثقافية، الإثنية واللغوية والسلالية وغير ذلك، في حين كانت نتائج سياسات الأمن التقليدي سلبية، سواء ظهرت في وقت مبكر أو تأخر ظهورها لحين.

إن إعادة قراءة علاقة الفرد بالدولة من خلال حكم القانون باعتباره المرجعية التي يخضع إليها الحاكم والمحكوم، وهي الفيصل في ضبط سلوكهما وفقاً للقواعد الناظمة التي تطبّق على الجميع، يرتّب مسؤوليات حماية أمن الأفراد وأمن المجتمع على الدولة بحيث يصبح الأمن الإنساني جوهر الأمن الوطني، كما إنه جوهر الأمن الإقليمي على صعيد التعاون بين بلدان المنطقة، وهذه تتطلب تأمين الحماية من جميع المخاطر الداخلية والخارجية، إضافة إلى تلبية الاحتياجات المتعدّدة واحترام الحقوق والحرّيات، ويتطلب ذلك تحقيق التنمية البشرية المستدامة التي تعني توسيع خيارات الناس فيما يتعلق بطريقة عيشهم وحرّيتهم في ومقدرتهم على العيش بسلام ودون خوف بما يؤمن لهم فرصاً اجتماعية متكافئة.

بهذا المعنى فالأمن الإنساني لا يتعلّق بأمن البلد فحسب، بل يرتبط بصورة عضوية بأمن الناس، وقد تطوّر الفقه الدولي على هذا الصعيد حين تقرّر اعتبار حقوق الإنسان لها صفة علوية وعلى أساس ذلك، صاغ مبدأ التدخل الإنساني، بعد انتهاء عهد الحرب الباردة 1947-1989، ولكن البلدان الكبرى المتسيّدة استخدمته بطريقة انتقائية، موظفة إياه سياسياً.

خلاصة القول إن مفهوم الأمن الإنساني يمثل بُعداً يتجاوز المكان واللغة والقومية والشعب والدولة والمنطقة الجغرافية والهوّية والثقافة والنظام القانوني، ليمتد إلى جميع مناحي حياة البشر، وهناك علاقة وثيقة إذاً بين الأمن الإنساني وحكم القانون، وبينه وبين حقوق الإنسان وبينه وبين الحكم الرشيد أو "الحوكمة"، من خلال المشاركة والشفافية، وبينه وبين الثقافة، خصوصاً بالدعوة إلى التسامح ونبذ العنف وقبول الآخر، وبينه وبين العدالة، ولاسيّما الاجتماعية والمساواة وحقوق المرأة، وبين الحقوق الفردية والجماعية وبين الحقوق الوطنية والحقوق الدولية.

الأمن الإنساني مفهوم عالمي بقدر ما هو مفهوم محلي أو داخلي أو وطني أو قومي أو إقليمي، وإذا كان هذا يختص بحدود الدولة أو الكيان المقصود به الإقليم، فإن الثاني يقصد منه أمن الإنسان في كل بلد.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

7