اختتمت عمودا سابقا لي بالجملة التالية: "لو وجد الناس ما يكفيهم من الخبز لما دعونا الى الدولة الحضارية الحديثة". وتحتاج هذه الجملة الى مزيد من الايضاح.

في سياق دعوتي الى دور معين يقوم به المواطنون الفعالون في سبيل اقامة الدولة الحضارية الحديثة في العراق تردني ردود من مثل ان المواطن العراقي لا يستطيع القيام باي شيء قبل ان تعطيه الدولة حقوقه، قبل ان تتحسن الخدمات في البلاد، قبل ان وقبل ان الخ. يعدد المعترضون امورا كشروط مسبقة، في حين ان هذه الامور هي الاهداف التي نسعى الى تحقيقها من وراء دعوتنا الى الدولة الحضارية الحديثة.

مع ملاحظة ان هذه "الاهداف القريبة" التي يفكر بها بعض المعترضين هي نتائج وثمرات ومظاهر خارجية لهدف اوسع للدولة الحضارية الحديثة عنوانه العام: تحسين حياة الناس والارتقاء بها وتيسيرها عبر الكثير من الامور مثل صيانة الحقوق، تحسين الخدمات، وتوفير التعليم، وضمان الرعاية الصحية، والتكافل الاجتماعي، وتيسير الاجراءات، وتوفير فرص العمل، والعناية بالبيئة، وتسهيل السكن، وغير ذلك. والقائمة تطول. وهذه كلها اهداف تتحقق كنتيجة لاقامة الدولة الحضارية الحديثة، وليست شروطا للعمل من اجل اقامتها. لو توفرت هذه الامور لما دعوت الى اقامة الدولة الحضارية الحديثة، لان توفر هذه الامور يعني ان الدولة الحضارية الحديثة موجودة بدرجة ما.

يلاحظ ان توفير كل هذه الامور من خلال مؤسسات الدولة ذات العلاقة يتضمن وجود مواطنين مخلصين يعملون في مؤسسات الدولة باخلاص وجد، وبصورة علمية وحضارية، ويعني ايضا ان هذه المؤسسات لا تعاني من فساد مالي واداري، الخ. وهذه مواصفات الدولة الحضارية الحديثة ذاتها. وعدم وجود هؤلاء المواطنين يؤدي الى فشل هذه المحاولات.

ان الدعوة الى الدولة الحضارية الحديثة لا تتضمن حلولا سريعة او سحرية للمشكلات اليومية التي يطالب بها المواطنون، لكن قيام الدولة الحضارية الحديثة يضمن تحقيق كل هذه المطالب والاهداف والاغراض والخدمات؛ بل لا يوجد ضمان بتحقيق هذه الاهداف في ظل دولة غير حضارية او غير حديثة، يعني دولة متخلفة تعاني من خلل حاد في المركب الحضاري. ولابد من اصلاح هذا الخلل قبل تحقيق الاهداف. وسلبية المواطن، وعدم اخلاص الموظف الحكومي، وسوء ادائه، من مظاهر الخلل الحاد في المركب الحضاري. والدعوة الى الدولة الحضارية الحديثة تعني الشروع بمعالجة مظاهر الخلل الحاد في المركب الحضاري بدءً من حالات الخلل الفردية انتهاء بحالات الخلل في الجهاز التشريعي والتنفيذي والاداري في الدولة، مرورا بالمجتمع. وهذا يعني ان حركة المجتمع نحو د ح ح تبدأ بمواطنين فعالين ايجابيين حضاريين يشرعون بالتغيير من اساسات المجتمع والدولة عبر مسيرة تستغرق بعض الوقت. ولذا تحدثت عن اهمية العمل الفردي في هذه المسيرة، دون اهمال اشكال العمل الاخرى التي تأتي ادوارها في تتابع زمني تراكمي.

يعاني المجتمع العراقي، على الاقل منذ اقامة الدولة العراقية الحديثة في مطلع القرن الماضي، من عيوب تأسيسية تراكمت على مدى العقود الماضية، ووصلت ذروتها بعد حرب ١٩٩٠، ثم ظهرت الى السطح مع عيوب التأسيس التي حدثت بعد عام ٢٠٠٣، ولم تعد تنفع الحلول الترقيعية، ولا الدعوات الاصلاحية في اصلاح الاوضاع في العراق. لا انفي تحقق بعض الانجازات، لكن البناء العام للدولة منخور بالخلل الحاد في المركب الحضاري، والتخلف العام، والفساد، والمحاصصة، والانقسامات المجتمعية الحادة، وسلبية المواطنين، وعدم رضاهم، وانهيار المنظومة القيمية، وفقدان الثقة، وغير ذلك. وهذا يتطلب اعادة بناء الدولة على اسس حضارية جديدة.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1