العلاقات السعودية-الأمريكية تاريخية تمتد لأكثر من ثمانية عقود وهي وثيقة وقائمة على تحالف المصالح، الأمن مقابل النفط والمال، ورغم ذلك فقد شهدت هزات قوية خلال تلك الفترة خاصة بعد الجريمة الإرهابية 11 أيلول/سبتمبر الشهيرة، وآخرها تداعيات فضيحة جريمة مقتل الصحافي جمال خاشقجي التي تم قتله بطريقة وحشية داخل القنصلية السعودية في مدينة اسطنبول التركية على أيدي فريق أمني رسمي سعودي يعمل بإشراف مباشر من مكتب ولي العهد السعودي، واقرار مجلس الشيوخ الأمريكي لمشروع بالإجماع يحمل ولي العهد السعودي مسؤولية قتل خاشقجي بينما إدارة الرئيس ترامب في البيت الأبيض تتحفظ لغاية الآن من تبني القرار وتحميل المسؤولية للسلطة السعودية وبالخصوص لولي العهد وذلك من باب المحافظة على المصالح الاقتصادية واستمرار تدفق المال السعودي لتوفير ملايين الوظائف للشعب الأمريكي حسب تصريح ترامب.

لقد تحولت جريمة اغتيال خاشقجي إلى قضية رأي عالمية مثيرة، نتيجة وحشية العملية التي تم التخطيط لها بدقة، ووقوعها داخل مبنى قنصلية في الخارج مما يعني انه تجاوز لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، ومحاولات الكذب وتزييف الحقائق من قبل السلطات السعودية منذ البداية حول الجريمة، ثم الاعتراف بعد تقديم الأدلة الدامغة، وتحميل المسؤولية لمن نفذ عملية القتل كبش فداء مع الإصرار على التزييف وعدم الاعتراف بدور كبار المسؤولين والتستر على القضية والمماطلة في عملية التحقيق وكشف الحقائق ومحاكمة المنفذين والمتورطين بإصدار الأوامر، بل وصل الأمر رغم فضيحة الجريمة بإصرار السلطات السعودية على التعاطي مع القضية بأنها داخلية تخص الشأن السعودي بتبرير كون المقتول مواطن قتل على أرض سعودية مبنى القنصلية، وانها ستحاكم المتهمين بطريقتها رافضة تدخل أي جهة ومنها التركية أو تحويل القضية إلى محكمة العدل الدولية.

ما مستقبل العلاقات السعودية الأمريكية في ظل تحميل مجلس الشيوخ مسؤولية القتل لولي العهد السعودي، وهل سيكون للقرار أي واقع للتطبيق، أم سيبقى مجرد مشروع للابتزاز الأمريكي للعائلة الحاكمة مثل قانون جاستا كسيف مسلط على السعودية يمكن استخدامه في أي وقت؟

وهل انتهى الدور السعودي أو اقتربت ساعة الطلاق؟

محطات تاريخية

بدأت العلاقات السعودية الأمريكية في الثلاثينيات من القرن الماضي بمنح شركات أمريكية حق التنقيب عن النفط في المنطقة الشرقية. وتطورت في الأربعينيات بدخول السعودية مع دول التحالف في الحرب العالمية الثانية.

وأول قمة رسمية سعودية أمريكية عقدت عام 1945 بين الملك عبد العزيز ابن سعود والرئيس الأمريكي روزفلت على متن البارجة الحربية الأمريكية كوينسيفي في السويس. والرئيس ريتشارد نيكسون كان أول رئيس أمريكي يزور السعودية عام 1974، حيث اجتمع خلالها مع الملك فيصل، وذلك عقب رفع قرار حظر بيع النفط للدول الغربية الذي اتخذ اثناء حرب اكتوبر عام 1973 وتم خلال الزيارة الاتفاق بشكل سري على بيع النفط بالدولار وتحويل مبالغ البيع إلى مصارف أمريكية وان تقوم السعودية بشراء سندات وأسهم في الخزانة الأمريكية بمئات المليارات، وربط العملة الأمريكية الدولار بالنفط وهو الاتفاق المعروف باسم البترودولار، وهو اتفاق ما زال يخدم مصالح السياسة الأمريكية.

العملية الإرهابية 11 أيلول/سبتمبر جعلت الرأي العام الأمريكي والمؤسسات الإعلامية الأمريكية وأعضاء من الكونغرس يوجهون الاتهام للرياض كونها داعمة لمنفذي الهجمات الإرهابية. وفي عهد الرئيس الأمريكي أوباما عام 2016 صدر قانون جاستا بملاحقة العائلة الحاكمة في السعودية ومحاسبتها بمصادرة الأموال السعودية في أمريكا وتقدر بمئات المليارات وقد ردت السعودية بالتهديد بسحب تلك الأموال من السوق الأمريكي رغم وجود قانون الحصانة السيادية الأجنبية.

وحاولت السعودية امتصاص الغضب الأمريكي وبالخصوص الرسمي عبر دعم كافة المشاريع الأمريكية في الشرق الأوسط والعالم، ومشاركة أمريكا في حروبها ضد الإرهاب في كل مكان.

وشهدت العلاقة السعودية والأمريكية في عهد الرئيس أوباما بعض الفتور بسبب دعمه للحراك الشعبي العربي بما يعرف “الربيع العربي” ودعمه سقوط نظام حسني مبارك في مصر وبن علي في تونس، رغم رفض السعودية إسقاط نظام مبارك الذي يعتبر حليفا استراتيجيا للرياض. الأمر الثاني الذي أغضب النظام السعودي قيام إدارة أوباما بتوقيع الاتفاق النووي مع إيران التي تعتبرها الرياض عدوها الأول.

لقد استطاعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة والسلطات السعودية المحافظة على استمرار علاقات المصالح في كل الظروف والتحديات، فالمهم لواشنطن المصالح والنفوذ والمال، والمهم للرياض الحماية العسكرية والأمنية والتغطية السياسية للبقاء في العرش.

منطقة الخليج مهمة وحساسة للولايات الأمريكية التي تعتبر أمنها جزءا من أمن أمريكا وهي أهم مصدر للنفط والغاز، والعلاقات الأمريكية والسعودية قائمة على المصالح والنفوذ، وأمريكا ترى أن السيطرة على دول المنطقة الخليجية الغنية بالنفط باسم الحماية للأنظمة الحاكمة وبالخصوص السعودية يكرس سيطرتها على أهم مصادر الطاقة في العالم وتقوية مكانة عملتها بفضل التعامل بالدولار مقابل النفط، وتحصل السعودية على الحماية خصوصا لتجاوزاتها وانتهاكاتها لحقوق الإنسان والسيطرة على دول المنطقة المجاورة.

مصالح ونفوذ وسيطرة

من المستبعد حاليا أن تتخلى أمريكا عن السعودية ودورها الإقليمي العربي والإسلامي والاقتصادي واستقرار سوق الطاقة النفط، في ظل استمرار المصالح التي تحدد العلاقة بينهما، فترامب بحاجة للمال لتحقيق وعوده الانتخابية والنجاح خلال رئاسته الأولى فهو يطمح للثانية، وتوفير ملايين الوظائف من خلال اجبار الأنظمة الخليجية على الدفع مقابل الحماية الأمريكية، كما صرح مرات عديدة: “على السعودية الدفع مقابل الحماية”.

ومن مصالح أمريكا السيطرة على العالم العربي وبالخصوص الإسلامي وهذا يتم عبر السعودية أغنى دولة عربية، وسيطرتها على أهم مواقع للعالم الإسلامي مكة المكرمة والمدينة المنورة، فالسعودية أداة لخدمة المشاريع الأمريكية وقد دعمت المجاهدين في أفغانستان حسب الطلب الأمريكي، ومن المصالح التي تهتم بها أمريكا دعم بقاء الكيان الصهيوني وتمرير سياسة التطبيع بين الأنظمة العربية ودولة الاحتلال وصفقة القرن وذلك من خلال قيام السعودية بالدور المطلوب حسب المواصفات الأمريكية.

وقال رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بعد مقتل خاشقجي وتوجيه المسؤولية لولي العهد السعودي: “من المهم والمفيد لإسرائيل بقاء السعودية مستقرة” إسرائيل تشعر بالقلق من امكانية التخلي عن بن سلمان. كما ان أمريكا بحاجة إلى السعودية في سياسة التحجيم ومواجهة الدور الإيراني والحركات الثورية الرافضة لمشروع الشرق الأوسط الجديد.

زيارة ترامب للرياض تاريخية

لقد كشفت التجارب السابقة في العلاقات الأمريكية السعودية أن واشنطن تتعامل مع الرياض بسياسة المصالح وبالخصوص على الصعيد الاقتصادي، وخلال عملية الانتخابات الأمريكية الرئاسية الأخيرة لجأ ترامب للتصعيد ضد السعودية وقال إن زمن الحماية بالمجان قد ولى. ذلك الكلام فهمته الرياض بانه مجرد رسالة من رجل أعمال تاجر يبحث عن المال، ولهذا قامت السعودية بترتيب زيارة للرئيس الأمريكي لتكون الرياض أول محطة خارجية له، فاستقبل بطريقة احتفالية وعقد قمة له مع زعماء الدول العربية والإسلامية في الرياض وقيامه بإلقاء خطاب على زعماء العرب والعالم الإسلامي يشرح فيه برنامجه للشرق الأوسط الجديد بالتطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وأبرم عقودا تقدر بـ 500 مليار دولار. لقد شعرت الرياض بالارتياح من خطاب الرئيس الأمريكي الموجه ضد إيران وحصلت على تصريح من الرئيس الأمريكي بأن تقوم بدور الشرطي في المنطقة ومواصلة شن الحرب على اليمن ومحاصرة قطر والتصعيد في سوريا.

علاقات عائلية

لقد شهدت العلاقات السعودية الأمريكية تغييرا وتطورا في عهد ترامب، حيث تحولت إلى شبه علاقة عائلية بين عائلة ال سعود وعائلة ترامب وبالخصوص مع صهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر زوج ايفانكا، وهو تاجر ورجل أعمال تهمه المصالح الاقتصادية وخدمة الكيان الإسرائيلي، ويملك صلاحيات واسعة من الرئيس ترامب، قد أصبح هو المسؤول عن ملف العلاقات مع الرياض، وهذا ساهم في إيجاد علاقة مميزة بين الأمير محمد بن سلمان وصهر الرئيس كوشنر، فحصل بن سلمان على الدعم الأمريكي القوي ليصبح وليا للعهد بدل محمد بن نايف، واعتقال العشرات من الأمراء الأقوياء المنافسين، مقابل أن يقوم محمد بن سلمان بالانفتاح وبالخصوص على دولة الاحتلال الصهيوني، وتحويل الصراع من عربي-صهيوني إلى شيعي – سني، واستخدم الدين وتغيير المناهج الدراسية والترويج للسعودية الجديدة بالترفيه للشعب وازالة حواجز الانغلاق، وكل ذلك من أجل دعم مشروع ترامب التغييري في الشرق الأوسط لإنجاح صفقة القرن، وهو مشروع أمريكي إسرائيلي بدعم سعودي قوي.

الفخ

لقد استغل ولي العهد السعودي الدعم الأمريكي والإسرائيلي الكبير وتعامل باعتباره قادرا على قول وفعل ما يريد لتحقيق طموحه بتشييد دولة سعودية جديدة قوية بالعزم والحزم زعيمة لدول المنطقة، ولكنه سقط في فخ كبير عندما قام بجريمة قتل جمال خاشقجي، تلك العملية التي وصفها الرئيس ترامب “انها أسوأ وأغبى وأفشل عملية قتل استخباراتية في التاريخ”. لقد توقع ولي العهد أن تنتهي قضية خاشقجي عندما صرح مع بداية القضية في مؤتمر قائلا: “ان جمال قد خرج من القنصلية وعلى الحكومة التركية البحث عن المواطن السعودي”. ولكن القضية تحولت إلى رأي عالمي وتم نشر أدلة تثبت عدم خروجه من القنصلية بل قتله بطريقة بشعة وتقطيعه واخفاء جثته ونشر صور القتلة ما أجبر الرياض على تغيير روايتها، وبعد أكثر من 20 يوما اعترفت بالجريمة وتحميل مسؤولية القتل لأفراد في جهاز الاستخبارات السعودي وموظفين في مكتب ولي العهد.

ولكن استمرار الكشف عن المزيد من الأدلة التي تثبت تورط بن سلمان جعل مجلس الشيوخ يقر مشروعا يحمله مسؤولية قتل خاشقجي، ما جعل البيت الأبيض في حرج، فهو لا يريد خسارة السعودية رغم وجود الأدلة الدامغة التي تدين بن سلمان، وقد حاول ترامب التشكيك في الروايات الاستخباراتية التي تشير لتورط ولي العهد، حيث إنه يؤكد على متن العلاقة مع الرياض، وانه لن يتخلى عن السعودية وعن صفقات بمئات المليارات لأجل قضية جنائية.

المخرج

بعض المراقبين يرون بعد ثبوت الأدلة المخابراتية الأمريكية بمسؤولية ولي العهد السعودي في جريمة قتل خاشقجي وصدور مشروع إدانة من مجلس الشيوخ، وفي ظل اصرار ترامب على التمسك بالعلاقة مع السعودية وبقاء الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، أن يقوم الكونغرس الأمريكي بالضغط على الرئيس ليطلب من العائلة الحاكمة السعودية إيجاد بديل عن محمد بن سلمان لتستمر العلاقة الأمريكية السعودية كما كانت، ولكي تخرج الغدارة الأمريكية من دائرة الحرج بالتعامل مع متورط ومسؤول عن جريمة قتل بشعة، فصورة الأميرة أصبحت مهزوزة، والإعلام الغربي لن يسكت وبالخصوص جريدة “واشنطن بوست” التي وضعت محاسبة قتلة كاتبها جمال خاشقجي هدفا.

هذا الاقتراح يخدم مصالح السعودية وأمريكا، فالسلطات السعودية تشعر بالخطر وهناك عدد كبير من أفراد العائلة الحاكمة تؤيد إيجاد بديل للأمير محمد بن سلمان كمخرج ليستمر حكمها تحت الحماية الأمريكية، ولكنها ضعيفة غير قادرة على تناول هذا الموضوع الحساس خوفا من ولي العهد الذي لا يزال قويا يمسك بيد من حديد بكافة مفاتيح الدولة. والبيت الأبيض لم يحسم خياراته حول التعامل مع بن سلمان ولكن الأيام المقبلة ستشهد المزيد من التطورات مع مجلس النواب الجديد الذي سيعقد أول جلسة له في 3 كانون الثاني/يناير 2019.

المصالح هي التي تربط العلاقات الأمريكية السعودية وليس المبادئ والقيم، والإدارة الأمريكية تحاول ان تستغل الأزمة لتحقيق المزيد من الابتزاز، إذا كان من مصلحة أمريكا التخلي عن ولي العهد السعودي سيحدث ذلك وبطرق عديدة، فأمريكا لديها القوة والخبرة والإمكانية.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0