"الحرب مأساة يستعمل فيها الإنسان أفضل ما لديه ليلحق بنفسه أسوأ ما يصيبه"
غلادستون

 

لقد كان الأمن ومنذ القرن السابع عشر، أي منذ نشأة الدولة القومية، يعني حماية الدولةـ حدودها وشعبها ومؤسساتها وقيمها من الهجوم الخارجي. وقد ترسخ هذا المفهوم بعمق في العلاقات والتقاليد الدولية. وهذا هو السبب في تركيز الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية على حصانة وحرمة الحدود الوطنية لدول العالم، وحظر التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة.

وفي الوقت الذي تكللت فيه هذه التقاليد في الحد من الاعتداءات بين الدول إلى حد ما، فقد كانت لها أيضا عواقب أخرى اقل نفعا. فكثيرا ما وفر مفهوم سيادة الدولة في الأمور الأمنية غطاء لإيجاد نظم عسكرية قومية قوية تحت ذريعة حماية الدولة من الاعتداءات الخارجية، وبررت سياسات وضع الميزانية العسكرية في سلم الأولويات على حساب التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة والرخاء الداخلي، وكرست التدابير التي تقيد بشكل كبير حقوق المواطنين وحرياتهم. وقد انعكس ذلك جليا في منطقتنا في العسكرة الشاملة لأغلب نظمها، بما فيها الطموحات النووية لبعض الدول، التي تتجاوز فيها الحاجة للأغراض السلمية، وتشديد قبضة البطش والقمع والإرهاب الداخلي تحت واجهات" تعزيز الجبهة الداخلية" لوجود عدو خارجي مفترض "يتم الحوار معه في الخفاء"!!!.

وبالتأكيد تبقى الحماية ضد العدوان الخارجي عمل مشروع بطبيعة الحال، وغاية أساسية للحكومات الوطنية وكذلك الأمر بالنسبة للمجتمع الدولي. ألا أن ذلك ليس سوى أحدى التحديات التي يجب مواجهتها لضمان الأمن العالمي. فعلى الرغم من الأمان المتزايد نسبيا في مناطق مختلفة من العالم، فأن الناس في الكثير من المناطق يشعرون الآن بانعدام الأمان أكثر من ذي قبل. ونادرا ما يكون ذلك راجعا إلى التهديدات الخارجية، فهناك أخطار وتحديات أمنية تنشأ من داخل البلدان نفسها، كالحرمان الاقتصادي الشديد والتدهور العام للأوضاع الداخلية، وانتشار الأسلحة التقليدية وترويع السكان المدنيين من قبل شراذم محلية، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. فهذه تتحدى أمن واستقرار الشعوب أكثر من أي خطر أو عدوان خارجي (مع بعض الاستثناءات كالحالة العراقية)، حيث تتداخل فيها العوامل الخارجية والداخلية.

ورغم أن احتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق أكد أن الحرب بين دولتين" مهما اختلفت ألأسباب "لم تنقرض بعد، وخاصة من قبل" دولة راعية للأمن الدولي" والمؤثر الأكبر في المنظمات الدولية ذات الصلة بالأمن والسلام العالميين، إلا إن التعامل مع الاحتلال أصبح في السياسة الداخلية العراقية من باب الأمر الواقع المفروض الذي يستدعي التعامل معه لإزالة آثاره. فإذا كانت من" الروائح العطرة" للاحتلال الأمريكي هو إزالة النظام الديكتاتوري الذي جثم على صدر شعبنا لأكثر من ثلاث عقود، وقد تقاطع ذلك مع مصلحة شعبنا، فأن من" روائحه غير العطرة" ومن إفرازات أبط الاحتلال هو التأسيس لنظام الكانتونات الطائفية والمحاصصة السياسية، بعيدا عن الفهم الموضوعي لميكانيزم الصراع بين التخلف والتقدم، والذي يستند بالأساس إلى أعادة توزيع الثروات ورسم قاعدة جديدة لعلاقات الإنتاج، تستجيب لضرورات التقدم الاقتصادي والاجتماعي والديمقراطية السياسية، ولا صلة لذلك بمفهوم المحاصصات السياسية كنظام.

وقد شكلت النمذجة الأمريكية للنظام السياسي في العراق قاعدة مواتية وأحد أسباب إفراز ظاهرة الميليشيات المسلحة والشللية السياسية من داخل النظام وخارجه، الأمر الذي أدى إلى انعدام الأمن الداخلي في ظل توجه عالمي يؤكد على أن حماية البشر وأمنهم يعتبر هدفا للسياسة الأمنية العالمية والإقليمية والوطنية، وليست فقط تأييد حق الدول في الأمن وحمايتها من التهديدات الخارجية، وأن حصر مفهوم الأمن على حماية الدولة فقط يعني تجاهل مصالح الناس الذين يشكلون مواطني الدولة والذين تمارس السيادة باسمهم، وأسفر ذلك عن حالات تشعر فيها الأنظمة الحاكمة بأن لها الحرية المطلقة لإساءة استخدام حق شعبها في الأمن وخاصة عندما يتداخل نظام الميليشيات مع سلطة الدولة وأحزابها الحاكمة، فتكون الأحزاب الحاكمة جزء من أسباب حالة انعدام الاستقرار والأمن.

وأن كان ذلك ناتج أيضا في الحالة العراقية من عملية التهديم العشوائي للبنية المؤسساتية للنظام السابق وانهيارها بشكل كامل، مما أنتج بدوره ازدواجية ضعف الأمن في العراق في المستويين: الخارجي كدولة، حيث البلد ضعيفا ومنفتح سلبيا على الخارج وتدخلات دول الجوار؛ والداخلي حيث انعدام الأمن الاجتماعي، وبالتالي يكون حكم الميليشيات هو البديل عن الأمن الوطني في الداخل، أما الخارج فلا يعنيها بالمرة.

أن أمن الإنسان لا يقل شأنا عن أمن الدولة وأن الغايتين ليست متعارضتين، فلا يمكن أن تكون الدولة آمنة طويلا ما لم يكونوا مواطنيها بمأمن، وقد استخدم ويستخدم ذريعة الحفظ على أمن الدولة واجهة للسياسات التي تضرب أمن الشعب.

فلا أمن للدولة بدون الأمن أولا إلى شعبها وهذا ما يجري في العراق. وعلى خلفية تطور مفهوم الأمن القومي أو الوطني فلابد أن يرتكز الأمن الحقيقي على الإنسان المواطن وليس على الدولة فحسب، فأن أمن الفرد يطابق أمن الدولة ولا أمن للدولة دون أمن مواطنيها. وأن المفهوم الشامل والكامل للأمن يضع قضية التنمية الشاملة والتماسك الاجتماعي والسيادة القانونية في قمة أولوياته.

عناصر الأمن الشامل تتكون من:

أولاـ الأمن السياسي ويتضمن حماية الكيان السياسي للدولة العراقية كدولة ديمقراطية حرة وذات سيادة، وبما يكفل ديمقراطية الحياة السياسية العراقية في التعددية والانتخابات والعمل والمعارضة السلمية، بعيدا عن الإرهاب السياسي والاستئثار بالسلطة السياسية واستخدامها لتكريس حالات مشوه من الممارسات ألا ديمقراطية لنيل من ا الكيانات أو المعارضة السياسية السلمية.

ثانياـ الأمن الاقتصادي ويعني حماية اقتصاد الدولة العراقية ومواردها وخططها من الفساد والنهب والتزوير وسوء استخدام الموارد المالية، ويشمل ذلك كل من اقتصاد مؤسسات الدولة واقتصاد الأفراد والشركات.

ثالثاـ الأمن القانوني ويضمن حماية الحقوق الإنسانية والوطنية للمواطن العراقي، وبما يكفل تأدية واجباته في أطار منظومة عادلة وواضحة ومتوازنة من الحقوق والواجبات، ويشمل ذلك تأمين قضاء عادل غير متحيز، يحمي الجميع بغض النظر عن الحزب أو الطائفة أو القومية التي ينتمي أليها الفرد.

رابعاـ الأمن الاجتماعي ويشمل كافة الإجراءات التي تضمن وحدة المجتمع العراقي بأطيافه المختلفة من طوائف وأديان ومذاهب وأقليات قومية وعرقية، وبما يؤدي إلى تماسكه واندماج أفراده في الولاء إلى العراق كوطن للجميع، ويشمل ذلك أيضا الأمن الوقائي من التخريب والجريمة والإرهاب والترويع والتهديد بمختلف مظاهره.

خامساـ الأمن القيمي ويتضمن الحفاظ على منظومات المجتمع العقائدية والقيمية والثقافية بكل تنوعاتها الايجابية في أطار مناخ من الانفتاح والتناغم والتواصل مع المجتمعات والحضارة الإنسانية ومعطياتها الايجابية، ويأتي هنا دور الأعلام الحيادي والثقافة المبدعة في تكريس ذلك.

سادساـ الأمن الصحي ويقصد به حماية المواطن وسلامته من الأمراض والأوبئة وكل ما يهدد سلامته، ويأتي ذلك عبر خطط ملموسة لتطوير قطاع الصحة لانتشاله من حالة التدهور المستمر.

سابعاـ الأمن البيئي ويضمن الحماية من نتائج التلوث الطبيعي والصناعي الذي لحق في البيئة جراء الحروب المتواصلة واستخدام مختلف أنواع الأسلحة المحرمة وغير المحرمة والتي ألحقت دمارا بالبيئة الطبيعية، مما أثر سلبا على صحة الإنسان وبيئته.

أن هذه المؤشرات أو المعايير المذكورة أعلاه، وهي ذات مواصفات دولية، يمكن استخدامها كمحكات للتعرف وتقيم الأداء في المجالات المختلفة للمؤسسات والقطاعات المختلفة، وبالتالي تضعنا أمام حقيقة ما يجري في العراق، وما هي مديات الاقتراب أو الابتعاد من المطلوب انجازه . أن نظرة سريعة وليست تفصيلية لما حصل ويحصل على الأرض كفيل بأن يضع الدولة العراقية أمام حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقها.

ويمكن أجمال ذلك في الملاحظات الميدانية الآتية:

أولاـ تبديد ثروات العراق النفطية والمعدنية والخسائر الاقتصادية والمالية الهائلة بسبب تفشي ظاهرة الفساد الاقتصادي والمالي من سرقات وتهريب، فحسب تصريحات مسئولين في هيئة النزاهة أن خسائر العراق منذ سقوط النظام السابق إلى ألآن قد بلغت 250 مليار دولار، وفي مجال تهريب النفط 45 مليار دولار.

ثانياـ تدني مستويات العيش وانتشار الفقر، حيث بلغت نسبة الفقر وما تحت خط الفقر إلى 40% (حسب إحصائيات وزارة حقوق الإنسان).

ثالثاـ تدهور الخدمات الصحية وانتشار الأمراض والأوبئة، ومن مؤشرات ذلك على سبيل المثال ظاهرة مرض الايدز، ففي الوقت الذي كانت فيه عدد الإصابات قبل سقوط النظام السابق هي 114 إصابة، تبلغ الآن عدد الإصابات 76000 إصابة، حسب الإحصائيات المسجلة في وزارة الصحة العراقية. وكذلك الأمراض الناتجة من انعدام المياه الصالحة للشرب وسوء التغذية وغيرها من الأمراض.

رابعاـ النمو المضطرد لظاهرة الأطفال اليتامى، حيث بلغ عدد اليتامى حسب تقديرات وزارة التخطيط 4000000 ملايين طفلا(إذا كان معدل العائلة العراقية من4 غالى 6 أطفال).وكذلك أارتفاع نسبة عدد الأرامل حيث بلغ ذلك 1000000 مليون أرملة، حسب الإحصائيات الصادرة عن وزارة المرأة العراقية للعام 2008،عدا عن ما يرتبط بذلك وغيره من ظاهرة التسول والتشرد بين الأطفال والمراهقين و انتشار للانحرافات السلوكية المختلفة والناتجة من ضعف للرعاية والأشراف التربوي والأسري. بالإضافة إلى ذلك التفكك الأسري الناتج من ارتفاع حالات الطلاق، حيث بلغت نسبته ثلاث حالات لكل أربع حالات زواج، حسب إحصائيات وزارة العدل العراقية.

خامساـ تصاعد وتيرة الهجرة خارج العراق، لمختلف الأسباب، سياسية واقتصادية وأمنية ودينية وغيرها، حيث بلغ عدد المهاجرين خارج العراق إلى أكثر من 4500000 مليون مهاجر حسب إحصائيات عام 2008.أما المهجرين داخل العراق فقد بلغ 2500000 مليون حسب إحصائيات وزارة الهجرة والمهجرين العراقية. ناهيك عن طابع الهجرة وما تسببه من نقص للكادر والكفاءات والتخصصات المختلفة، وخاصة في أوساط ما يسمى بالهجرة النوعية.

سادساـ تشير الإحصائيات الواردة من وزارة الصحة والطب العدلي أن هناك 2500000 مليون قتيل (قبل وبعد سقوط النظام) لغاية كانون الأول2008،وأن هناك 340000 ألف سجين في سجون القوات الأمريكية وسجون الدولة العراقية، حسب إحصائيات مراصد حقوق الإنسان، علما أن القوات الأمريكية كانت قد أكدت رسميا بوجود 120000 ألف سجين لديها،وكذلك وجود إحصائيات عن 800000 ألف مغيب حسب الدعاوي المسجلة لدى وزارة الداخلية العراقية حتى كانون الأول2008 .

سابعاـ تصاعد وتيرة النمو المتزايد للمليشيات المسلحة من داخل السلطة وخارجها، حيث يعتقد أن هناك أكثر من50ميليشيا إجرامية تعود للأحزاب من داخل السلطة وخارجها، علما أن عدد الميليشيات المسلحة التابعة للأحزاب والمسجلة في وزارة الدفاع و وزارة الداخليةـ لجنة دمج الميليشيات، قد بلغ 43 ميليشيا .ناهيك عن شللية السلاح في أوساط غير سياسية والتي لا حصر لها.

ثامناـ استشراء الفساد الكامل في هياكل الدولة الإدارية والمالية وفي جميع المفاصل، ويرتبط بذلك ويعززه عشرات الآلاف من الشهادات المزورة للمسئولين والضباط والمدراء العامين وكادر الأحزاب الذي يشغل مناصب قيادية في الدولة، حسب إحصائيات موثقة في هيئة النزاهة العراقية، وأخيرا وليست آخرا فضيحة الفائزون المزورون في الانتخابات المحلية.

تاسعاـ تدمير البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، من وزارات ومشاريع ومؤسسات إنتاجية وخدمية، كخدمات الماء والكهرباء والاتصالات وحرق الحقول النفطية وغيرها، وحسب وزارة التخطيط فأن البنية التحتية دمرت بالكامل. وقد جرى ذلك على خلفية أعمال التخريب والفوضى والإرهاب التي عمت البلاد بعد سقوط النظام السابق وكذلك على خلفية رؤى غير مدروسة عواقبها، أساسها أن كل ما موجود على الأرض العراقية هو من بقايا النظام السابق ويجب التخلص منه حتى وأن كان مفيدا، وقد شمل ذلك حتى العنصر البشري من كوادر ومتخصصين وكفاءات مختلفة. وقد تكون تجربة حل الجيش والأجهزة الأمنية للنظام السابق بهذه الطريقة العبثية التي جرت فيها والتي مثلت استجابة الخوف من عودة النظام السابق، أحد أبرز مشاكل عدم الاستقرار إلى الآن.

عاشراـ التدهور المستمر لقطاع التربية والتعليم، وهو أكبر القطاعات تجمعا للعنصر البشري، وهو القطاع الواعد في التنمية الاقتصادية والبشرية، حيث شهد تدهورا على مستوى الكم والكيف: من تصاعد نسب الرسوب والتسرب (حيث بلغت أعداد المتسربين50 ألف متسرب حسب الإحصائيات الرسمية التي أدلى بها مستشار وزير التربية لشؤون محو الأمية)، ونقص الكادر التدريسي المؤهل، غياب التخطيط التربوي والتعليمي، قلة المخصصات المالية وسوء استخدامها، قلة المصادر العلمية وضعف شبكة المكتبات العلمية، تزوير الشهادات والرشاوى للعمل في هذا القطاع، تكريس الهيمنة السياسية والطائفية في الجامعات والمعاهد العالية واقتسامها باعتبارها مناطق نفوذ للأحزاب والميليشيات، تدني مستوى الكفاءة النوعية للخريجين، والهجرة المتواصلة للكادر العلمي والتدريسي من مختلف التخصصات طلبا للأمن والاحتماء. أما بالنسبة لأعداد الأميين فقد بلغت 5 ملايين أمي، حسب تصريح مسئول منظمة اليونسكو في بغداد، مؤكدا عدم وجود مسح حقيقي للأرقام.

واستنادا إلى هذه المعطيات، فأن انعدام الأمن الاجتماعي بما يمثله من فتنة طائفية بغضاء بين مكونات الشعب العراقي وانهيار للمنظومة القيمية وانتشار للفساد وروح اللامبالاة والانحراف الاجتماعي واستشراء الفساد وانتشار للفكر المتشدد والديكتاتورية السياسية وزيادة مطردة في جرائم السرقات والقتل والعنف والإرهاب والاختطاف وتدهور مختلف مناحي الحياة، يشكل أكبر المعوقات للحلال الأمن الشامل. وأن أحلال الأمن الاجتماعي يشكل نقطة البدء والانطلاق لتأسيس إنسانية الفرد العراقي، على خلفية الإشباع المتواصل للحاجات الإنسانية المختلفة، ابتداء من أدنى الحاجات المتمثلة بالحاجات الفسيولوجية، وانتهاء بأرقى الحاجات المتمثلة بالفنون الرفيعة والجمال. ونستطيع هنا أن نستخدم هرم إشباع الحاجات الإنسانية لعالم النفس أبراهام ماسلو، أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس، للوقوف على مديات إشباع الفرد العراقي لمختلف الحاجات الإنسانية، وأين يقف الفرد العراقي الآن في هذا الهرم وماذا ينتظره. والهرم الأتي يوضح تسلسل إشباع الحاجات الإنسانية، ونستطيع أن نستخدمه محكا ومقياسا صالحا لمدى إشباع حاجات الفرد العراقي:

دافع تحقيق الذات

الدوافع الجمالية

الدافع إلى الفهم المعرفي

دوافع التقدير واحترام الذات

دوافع الحب والانتماء

دوافع الأمن

الدوافع الفسيولوجية

أن الاتجاهات العامة للوضع في البلاد تؤكد أن مطلب الأمن هو الهاجس اليومي للمواطن، وأن النضال من أجله استنادا إلى هرمية الحاجات الإنسانية، يعني أن نضال الإنسان العراقي لا يزال محصورا في قاعدة الهرم، كما يبينه الهرم أعلاه، علما أن الحاجات أو الدوافع الفسيولوجية، وهي لازمة لبقاء الإنسان واستمراره (من آكل وشرب وجنس وراحة وتجنب للألم وغيرها) ترتبط وثيقا بالأمن، إلا أن إشباعها في ظل ظروف شاذة يكون كيف ما أتفق ولأغراض البقاء فقط. وأن تمحور ومراوحة نضال الناس عند حدود الأمن وفي قاعدة الهرم يعني من جانب آخر تعطيل للهرمية التتابعية لإشباع الحاجات، أي أن ما يأتي بعد الأمن وهو أنساني صرف لا يزال لم يأخذ مداه كما ينبغي، ولأن كل ما يأتي من حاجات بعد الأمن يستند إلى الأمن أولا وأخيرا ولهذا فأننا نرى أن نضال الناس في العراق، استنادا إلى الهرم، تنحصر في النضال من أجل ضمان الحدود الدنيا للبقاء، وهي صفة تشترك فيها الحيوانات مع الإنسان، وكما نعرف فأن الأزمات والحروب تضرب حتى الحدود الدنيا للبقاء وتهلك الحيوان والإنسان على السواء.

أن مقومي الأمن والحاجات الفسيولوجية الأساسية لازمان لانطلاق الحياة الإنسانية الكريمة إلى سقف أوسع تنتهي بأرقى الحاجات الإنسانية في الجمال، من شعر وموسيقى وفنون ونظام وإشباع طاقاتنا وإمكانياتنا ومواهبنا الفريدة. وأن البقاء في مربع القاعدة الأمنية من الهرم، يعني التعطيل الكامل للهرمية الإنسانية في النمو والارتقاء، بمعنى آخر، لا صحة، ولا تعليم، ولا ثقافة ولا تربية، ولا ديمقراطية، ولا تعددية حزبية حقيقية، ولا دولة قانون ولا بيئة صالحة بدون أمن. وعلى خلفية انعدام الأمن فأن أفضل المشاريع في مواجهة التحديات: السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والإعلامية، والثقافية لن ترى النور أبدا... الأمن أولا والبقية تأتي.

..........................................................................................................
* الآراء الورادة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3