أذا كان الاصلاح عملية مجتمعية وليست قرارات فوقية فعلينا ان ندرك ان الاصلاح في حقيقته هو محاولة للتغير الاجتماعي المخطط له لأقرب سنوات قادمة وتوقع ما يتبعها من عقود قادمة من الزمن، وعلى افتراض ما يرافق الاصلاح من عمق وتنوع في الوعي النفسي والقدرات الذاتية واحترام للمبادرات الفردية واستدراك عاقل لما يحصل. وعندما نستخدم في الوقت الراهن مفهوم "الإصلاح" فلابد أن نستحضر أولا الخبرة الأوروبية وخبرة الدول السائرة صوب الاصلاح باعتبارها دول مرجعية. تلك هي مصطلحات علم الاجتماع السيكولوجي في الاصلاح !!!.

غير أن استحضار تحليل التراث النظري واستحضار الخبرة التاريخية لا يكفى، ذلك أنه لابد حتى يكون الإصلاح رشيداً أن نسأل منذ البداية: إصلاحٌ، ولكن وفقا لأية رؤية؟

ولو اعتمدنا على التراث النظري المعاصر في مجال التنمية المستدامة لاكتشفنا أن هناك مفهوما محوريا أصبح شائع الاستخدام في الوقت الراهن وهو مفهوم "الرؤية الاستراتيجية" ويُعنى بها مجموعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لحكومة ما لسنوات او عقود قادمة.

وهذه الرؤية الاستراتيجية ينبغي أولا أن تنطلق من مفهوم التنمية المستدامة، ويجب ألا تنفرد أي نخبة سياسية حاكمة بوضعها، ذلك أن الرؤية الاستراتيجية - بالتعريف الذي قدمناه- ينبغي أن تكون صياغتها عملية مجتمعية شاملة تشارك في وضعها السلطة والأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني المختلفة.

وهذه الرؤية الاستراتيجية ينبغي أن تنقل للجماهير العريضة من خلال وسائل الاتصال العصرية، حتى تتضح أهداف التنمية وأساليبها، ويتم حشد الجهود المختلفة لتحقيقها، في إطار من الديمقراطية الكاملة والشفافية المطلقة، والمحاسبة، والتقييم المستمر.

الاصلاح الشامل من هذا المنظور يحتاج الى قدرات مهنية وعلمية واكاديمية ومستقلة نسبيا عن تأثيرات الايديولوجية العقائدية ذات الطابع المتحجر والتي ترى في الاصلاح هو مجرد خطاب منفعل ومعمد بردود الافعال يستجيب عبر خلق العداوة بين القوى السياسية الاخرى وافتعال الازمات وادعاء الصلاحية المطلقة لكل الاوقات والاوضاع، وهؤلاء حصرا هم من يعرقلو الاصلاح ومدياته مهما بلغ ادعائهم الانفعالي بقدراتهم على الاصلاح، فهو لا يتجاوز سوى رغبات منزوعة الصلة بطبيعة الاصلاح بكونه عملا دقيقا يستدعي الايمان بادوات المنهج العلمي في البحث عن المشكلات المستعصية، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها، وفق سنة البحث العلمي ومنهجيته المعروفة، وغلق ابواب الاجتهاد أمام الخرافة والدجل والسحر والشعوذة والثقافة الماورائية للبحث عن حلول لمعضلات البقاء والاصلاح !!!.

أن الاصلاح الشامل هو وثيق الصلة بالديمقراطية وان عهد الديمقراطية في العراق هو وليدا وأن الثقافة الديمقراطية لشعبنا لا تزال قيد التشكيل والاختبار،فلازالت ذهنية الانقضاض على المنافس الآخر وإقصاءه هي الفيصل في السلوك السياسي،بل يرى البعض في الديمقراطية هي الفرصة الذهبية " للفرهود"و للفساد بمختلف مظاهره،ومع هذا فأن شعبنا لا يريد العودة إلى الوراء،بل هناك تجليات للمضي قدما من اجل إرساء دعائم الديمقراطية.

أن مجتمعنا العراقي هو مجتمعا قبليا وقد كرست فيه القبلية بفعل مختلف السياسات منذ عقود ثم انتهاء بالطائفية والمذهبية لتضفي على ذلك شرعية جغروـ طائفية متحجرة،رغم أن هناك حقبا تنويرية بفعل تأثير قوى الديمقراطية فيها إلا إنها مرت بانحسار بفعل الضربات القاسية التي تعرض لها تلك القوى والتي كادت تقتلعها من الجذور،وبهذا ترك شعبنا أسيرا في العراء وضحية لمن يتجاذبه،وهكذا أيضا ترك شعبنا ضحية لثقافة الغنيمة والكسب والاستحواذ،مما كرس مفاهيم الشعب ـ الرعية،وأن التعامل معهم ليست ككيانات إنسانية مستقلة وإنما عبر ممثليهم من القبائل والطوائف والمناطق والحارات والأسر مما ترك شعبنا ضحية لمختلف مشاريع الاستمالة والإغراء،أن ذلك لا ينسجم مع صيرورة المجتمع المدني،وأن الخلاص من ذلك يستدعي ترسيخ مفهوم المواطنة والمجتمع المدني،وهذا بالتأكيد يتطلب جهدا ليس بالهين لكي يتخلص شعبنا من هذه الانتماءات الضيقة التي لا صلة لها بالمواطنة وبالخيارات الحرة وبثقافة الانتخاب التي تتطلب مزيدا من الاستقلالية في السلوك.

أن التجربة السياسية ما بعد سقوط الدكتاتورية في تعبئة الجماهير تعرضت إلى التشويه والمسخ من قبل الكثير من الأحزاب مستفيدة من ارث الدكتاتورية البغيض،لتعيد الكرة في تشكيل وعي الجماهير بما يتفق مع مصالح هذه الأحزاب عبر التزييف وتشويه معالم الوعي الإنساني الفردي للمواطن من خلال ترك الانطباعات المختلفة التي تصور الأهداف الذاتية والمصلحية والنفعية بأنها أهداف عظيمة ومقدسة ومشروعة ويتخيل إلى المواطن بأن هذا الحزب أو ذاك يسعى لصالحه،وبالطبع فأن هذا العمل يتطلب مهارات عالية "وقدرات استثنائية خاصة " للعبث بإحساسات وحواس الجمهور من خلال الإعلام المتنوع والمغريات المختلفة واستخدام للمال الحرام والإسراف في استخدام السلطات الحكومية،وقد تم تزيف الوعي من خلال شخصيات كاريزمية في الأحزاب أو في المجتمع،دينية أو سياسية يتم من خلالها تسويق أفكار الأحزاب إلى الجماهير التي تتقبل هذه الأفكار بناء على تقبلها وحبها البريء للشخصية الكاريزمية سواء كانت دينية أو اجتماعية أو سياسية،وخاصة في مجتمع خرج للتو من نظام دكتاتوري كانت مهمته زرع قيم الذل والخنوع والعبادة الفردية والاستسلام واستلاب أرادة المواطن لتحويله إلى رقم أصم يسهل حسابه بمختلف الاتجاهات دون معنى يذكر!!!.

أن هذا السلوك السياسي المرضي يفضي إلى خلق اتجاهات تضعف الشخصية العراقية في تقبل أي تغير ايجابي مرتقب عبر ممارسة السلبية اتجاه الإحداث وإعاقة أي بادرة لشحذ القوى المجتمعية صوب الفعل الايجابي،وتكريس الأوضاع السابقة لما بعد 2003 برضا شكلي من قبل الجميع،انه حالة من استهلاك طاقة ملايين الأجساد والعقول عبر إضعاف ملكة التفكير النقدي وترك المواطن في حالة تلقي سلبي لكل ما يسمعه من بعض من مرجعياته الدينية والسياسية والاجتماعية،لكي تصل به إلى مستوى التفكير الخرافي الذي يشل الديمقراطية في عقر دارها،ويتم تخدير وتسكين معاناة الناس الحقيقية وشل وعيها النقدي المعارض اللازم لعمليات التغير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي المنشودة،وهنا تدخل الممارسات الدينية الخاطئة على نطاق واسع،عبر رموز مفتعلة له وليست حقيقية لتكرس حالة السبات العقلي وتشديد للاعتمادية السلبية من خلال " مفتون متخصصون " عند الشدة يشغلون الناس بقضايا هامشية تصل إلى حد التدخل حتى في شؤونهم الشخصية والخاصة جدا والتي لا صلة لها بمستقبل البلاد لأحداث حالة غيبوبة مستديمة تباع فيها عقولهم وقلوبهم، وكانت انعكاسات ذلك واضحة جدا في تقرير وجهة الاصلاح وماذا يعني لهم !!!.

ومن هنا تأتي أهمية المسؤولية الأخلاقية والدينية والسياسية الملقاة على عاتق القيادات السياسية والاجتماعية المختلفة وقيادات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني في إعادة صياغة وعي المواطن بما ينسجم مع تطلعات وطموحات الناس في بناء مجتمع العدالة والحق والمواطنة الكريمة الذي يستند إلى العقلانية بعيدا عن الانفعالات الجارفة، وضرورة خلق الوعي اللازم لقيمة الاصلاح وخطورته في رسم المستقبل.ولعل في الملاحظات الآتية مدخلا مواتيا لذلك :

ـ إعادة صياغة منظومة التربية والتعليم على أسس علمية وعقلانية بعيدا عن تأثيرات التيارات السياسية والدينية المتحاربة والمتجاذبة،لخلق مواطن يتسلح بالوعي المحايد والقدرة على ممارسة النقد البناء للظواهر المختلفة بروح علمية بعيدا عن أشكال التعصب والانفعال في تقبل أو رفض ظاهرة أو رأي ما.

ـ تحديث الخطاب السياسي من حيث المحتوى والأهداف والوسائل،وتحوله من خطاب " حشدي " منفعل إلى خطاب ايجابي يستهدف بناء ثقافة سياسية فردية بناءة وتحويله إلى خطاب سياسي ـ تربوي ذو صبغة واقعية.

ـ ضرورة التثقيف المستمر بالتجربة الديمقراطية باعتبارها وسيلة للتداول السلمي للسلطة وليست وسيلة للانقضاض عليها واحتكارها ومنع الآخرين من المساهمة فيها.

ـ إشاعة ثقافة الحوار في كل القضايا التي تخص المجتمع السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية،ودفع الناس لإبداء الآراء بخصوصها وتحويل المواطن من مستقبل للمعلومة فقط إلى مواطن مرسل فعال،أي تنشيط قنوات الاتصال بين المواطنين ورموزهم السياسية والاجتماعية لتفعيل مفهوم المشاركة البناءة.

ـ إعادة النظر في المنظومة التشريعية والقانونية التي تحجب و تحد من سقف مشاركة الآخرين في العملية السياسية،وفي مقدمتها قانون الانتخابات وإصدار قانون للأحزاب لضمان مسائلة الأحزاب ورصد آلية عملها،لضمان مزيدا من النزاهة و المشاركة السياسية لبناء نظام سياسي متنوع في العطاء والقدرات الفكرية والعقلية.

ـ العمل التربوي والتثقيفي طويل الأمد لأبعاد ثقافة التشكيك والاتهام وتخليص المواطن من آثار عقلية المؤامرة التي تجعل من المواطن متربصا لأخيه المواطن ومشككا في أفضل عطائه،وتلك هي الحال على مستوى الأحزاب.

ـ محاربة الفساد على نطاق واسع باعتباره وفي احد وجوهه مظهرا من مظاهر الفساد السياسي يسهم في تكريس الأوضاع كما هي،ونظرا لتقاطع صلاته مع السياسة ورموزها فأنه يسهم في تكريس سياسة الصفقات وتجيش الناس حولها لأبعاد شبح المحاسبة والدخول في التفاصيل.

ـ تعزيز ثقافة دولة القانون في سلوك الأفراد والأحزاب والمؤسسات بعيدا عن التمترس الفئوي والطائفي والجغرافي والقبلي الذي يضعف دولة القانون،وتنشيط دور القضاء لتشجيع المواطنين على الاستعانة بالدولة لحل المشكلات المختلفة والمستعصية دون اللجوء إلى القبائل أو الطوائف أو الأحزاب التي تستميل المواطن وتسهل تعبئته بمختلف الاتجاهات باعتباره طرفا ضعيفا يلجا اليها عند الشدة !!!!.

ان الاصلاح الشامل لا يعني ابدا الدخول الى المنطقة الخضراء واجراء مناورت على نسق المناورات العسكرية لجس النبض وعرض العضلات، بل هو عمل تربوي ونفسي يخلق حالة من الوعي البديل للفوضى والعبادة الشخصية، الى حالة من استشراف المستقبل والتفرد المبدع في الانتفاض على العقل القطيعي المتخلف صوب فهم صحيح لقوانين الصراع الاجتماعي بعيدا عن الوصاية المذهبية والطائفية والاثنية، وان ما يجري موضوعيا في العراق يجب ان يفهم موضوعيا في إطار سنة الصراع المقننة في تحول الكم الى كيف !!!.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4